(فصل)
قال القاضي عياض:
أما قصة كلمات إبراهيم المذكورة أنها كِذْبَاتُهُ الثَّلَاثُ الْمَنْصُوصَةُ فِي الْقُرْآنِ مِنْهَا اثْنَتَانِ قوله «إِنِّي سَقِيمٌ» «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا» وَقَوْلُهُ لِلْمَلِكِ عَنْ زَوْجَتِهِ إِنَّهَا أُخْتِي.
فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الْكَذِبِ، لَا فِي الْقَصْدِ وَلَا فِي غَيْرِهِ .. وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي بَابِ الْمَعَارِيضِ الَّتِي فِيهَا مَنْدُوحَةٌ عَنِ الْكَذِبِ ..
أَمَّا قَوْلُهُ «إِنِّي سَقِيمٌ»
فَقَالَ الْحَسَنُ وَغَيْرُهُ: مَعْنَاهُ «سَأَسْقَمُ» أَيْ إِنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مُعَرَّضٌ لِذَلِكَ فَاعْتَذَرَ لِقَوْمِهِ مِنَ الْخُرُوجِ مَعَهُمْ إِلَى عِيدِهِمْ بِهَذَا.
وَقِيلَ: «بَلْ سَقِيمٌ بِمَا قُدِّرَ عَلَيَّ مِنَ الْمَوْتِ» .
وَقِيلَ: «سَقِيمُ الْقَلْبِ بِمَا أُشَاهِدُهُ مِنْ كُفْرِكُمْ وَعِنَادِكُمْ» .
وَقِيلَ: بَلْ كَانَتِ الْحُمَّى تَأْخُذُهُ عِنْدَ طُلُوعِ نجم معلوم .. فلما رَآهُ اعْتَذَرَ بِعَادَتِهِ».
وَكُلُّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ كذب .. بل خَبَرٌ صَحِيحٌ صِدْقٌ ..
وَقِيلَ: «بَلْ عَرَّضَ بِسَقَمِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وَضَعْفِ مَا أَرَادَ بَيَانَهُ لَهُمْ، مِنْ جِهَةِ النُّجُومِ الَّتِي كَانُوا يَشْتَغِلُونَ بِهَا، وأنه أثناء نظره في ذلك» .. وقيل: «اسْتِقَامَةِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِمْ فِي حَالِ سَقَمٍ وَمَرَضٍ» ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَشُكَّ هُوَ، وَلَا ضَعُفَ إِيمَانُهُ .. وَلَكِنَّهُ ضَعُفَ فِي اسْتِدْلَالِهِ عَلَيْهِمْ .. وَسَقِمَ نَظَرُهُ .. كَمَا يُقَالُ: (حُجَّةٌ سَقِيمَةٌ) (وَنَظَرٌ مَعْلُولٌ) .. حَتَّى أَلْهَمَهُ اللَّهُ بِاسْتِدْلَالِهِ وَصِحَّةِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِمْ بِالْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، مَا نَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدَّمْنَا بَيَانَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا» الآية ..
فإن عَلَّقَ خَبَرَهُ بِشَرْطِ نُطْقِهِ كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَ يَنْطِقُ فَهُوَ فِعْلُهُ ..
عَلَى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لِقَوْمِهِ .. وَهَذَا صِدْقٌ أَيْضًا وَلَا خُلْفَ فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «أُخْتِي» .. فَقَدْ بَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ وَقَالَ:
فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ .. وَهُوَ صِدْقٌ.
والله تعالى يقول: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» .