وَقَوْلُهُ: {فَاسْتَفْتِهِمْ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَلْ يَا مُحَمَّدُ مُشْرِكِي قَوْمِكَ مِنْ قُرَيْشٍ.
وَقَوْلُهُ: {أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ} ذَكَرَ أَنَّ مُشْرِكِيَ قُرَيْشٍ كَانُوا يَقُولُونَ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَهَا، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: سَلْهُمْ، وَقُلْ لَهُمْ: أَلِرَبِّيَ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ؟
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (150) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمْ شَهِدَ هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ خَلْقِيَ الْمَلَائِكَةَ وَأَنَا أَخْلُقُهُمْ إِنَاثًا، فَشَهِدُوا هَذِهِ الشَّهَادَةَ، وَوَصَفُوا الْمَلَائِكَةَ بِأَنَّهَا إِنَاثٌ.
وَقَوْلُهُ: {أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَا إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ كِذْبِهِمْ {لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} فِي قِيلِهِمْ ذَلِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (153) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (154) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (155) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (156) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (157) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُوَبِّخًا هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ لِلَّهِ الْبَنَاتُ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ: {أَصْطَفَى} اللَّهُ أَيُّهَا الْقَوْمُ {الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ} ؟ وَالْعَرَبُ إِذَا وَجَّهُوا الِاسْتِفْهَامَ إِلَى التَّوْبِيخِ اثْبَتُوا أَلِفَ الِاسْتِفْهَامِ أَحْيَانًا وَطَرَحُوهَا أَحْيَانًا، كَمَا قِيلَ: {أَذَهَبْتُمْ} بِالْقَصْرِ {طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا} يَسْتَفْهِمُ بِهَا، وَلَا يَسْتَفْهِمُ بِهَا، وَالْمَعْنَى فِي الْحَالَيْنِ وَاحِدٌ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَفْهِمْ فِي قَوْلِهِ: {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ} ذَهَبَتْ أَلِفُ اصْطَفَى فِي الْوَصْلِ، وَيُبْتَدَأُ بِهَا بِالْكَسْرِ، وَإِذَا اسْتَفْهَمَ فُتِحَتْ وَقُطِعَتْ