[من روائع الأبحاث]
(فصل: من التضمين النحوي في السورة الكريمة)
(سورة(ص)
(لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ ...(24)
ذكر الزمخشري: تعدى السؤال إلى المفعول الثاني بـ (إلى) لتضمنه معنى الإضافة أما الآلوسي فقد قال: والسؤال مصدر مضاف إلى مفعوله وتعديته إلى مفعول آخر بـ (إلى) لتضمنه معنى الإضافة كأنه قيل: لقد ظلمك بإضافة نعجتك إلى نعاجه على وجه السؤال والطلب، أو ظلمك بسؤال نعجتك مضافة إلى نعاجه. وقريبا منه قول ابن جزي: سؤال مصدر مضاف إلى المفعول وإنما تعدى بـ (إلى) لأنه تضمن معنى الضم والإضافة كأنه قال: بسؤال نعجتك مضافة أو مضمومة إلى نعاجه.
أقول: إن تعدّي السؤال بـ (إلى) حملنا على تضمينه معنى (طلب) و (ابتعى) و (رغب) ولعل إلحاح صاحب التسع والتسعين نعجة على خليطه أن يكفل نعجته الوحيدة وذلك بضمها إلى نعاجه دليل بغيه وظلمه: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) أما إصدار الحكم من داود عليه السلام في القضية بكون الخصم ظالما بمجرد دعواه ومن غير بينة وقبل أن يسمع منه، فدليل على استثارته وتعجله. ثم أحس عليه السلام أنه سها عن طلب البينة وأنه تعجل، وأنه الابتلاء من اللَّه ... فاستغفر ربه وخرَّ راكعا وأناب.
والتعقيب على القصة، يكشف عن طبيعة الفتنة، ويحدد المقصود من الابتلاء. (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى) والهوى هو الانفعال وعدم التريث والتثبت والتبين.
ولولا (إلى) والتي لا يتعدى بها فعل السؤال لما فهمنا معنى الضم والطلب والابتغاء والرغبة. ولو قال: لقد ظلمك بضم نعجتك لفسد المعنى لأنه لم يضمها ولا أضافها وإنما طلب إليه أن يضمها إليها: (أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ) فتضمين السؤال معنى الطلب والابتغاء والرغبة - لقد ظلمك بابتغاء نعجتك إلى نعاجه - دل على شرف هذه اللغة بأن اللفظ لتناشره وانبثاثه غيرُ محصور في منظور ضيق لا يخرج عنه فهو من أي عِطفَيه التفت، يجد معنى فوق معناه. هو أوفق له وأملأ به، يعطي ... ثم يعطي عن ميزة وعلى بصيرة.