(فصل)
قال الحَلِيمي:
ومما جاء في شكر النعمة المنضدة إذا حضرت أو كانت خافية، وظهرت السجود لله عز وجل، والأصل فيه قول الله عز وجل: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُواْ عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَآ إِلَى سَوَآءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الْخُلَطَآءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} .
أخبر الله - عز وجل - في داود أنه سمع قول المتظلم من الخصمين، ولم يخبر أنه سأل الآخر إنما حكى أنه ظلمه.
فكان ظاهر ذلك أنه رأى في المتكلم تحايل الضعف في العظمة، فحمل أمره على أنه مظلوم كما يقال، ودعاه ذلك إلى أن لا يسأل الخصم، فقال مستعجلاً: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، مع إمكان أنه لو سأله لكان يقول: كانت لي مائة نعجة، ولا شيء لهذا، فسرق مني هذه النعجة.
فلما وجدتها عنده، قلت له: أرددها، وما قلت له: اكفلنيها، وعلم أني مرافعه إليك فخزي قبل أن أجره، وجاءك متظلماً مني قبل أن أحضره لتنظر أنه هو الحق، وأني أنا الظالم.
وكما تكلم داود بما حملته العجلة عليه علم أن الله - عز وجل - خلاه فعتبه في ذلك الوقت، وهو الفتنة التي ذكرها، إن ذلك لم يكن إلا عن تقصير عرفه فيه، فاستغفر ربه وسجد لله شكراً على أن عصمه.
فاقتصر على تظليم الشكو، ولم يزده على ذلك شيئاً من انتهار أو ضرب أو غيرهما مما يليق بمن تصور في القلب أنه ظالم، فغفر الله له، ثم أقبل عليه يعاتبه فقال: {يدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} .