فصل
قال الفخر:
والوجه الثاني: من الوجوه التي ذكرها الله تعالى في الجواب عن تلك الشبهة
قوله تعالى: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ العزيز الوهاب} وتقرير هذا الجواب أن منصب النبوة منصب عظيم ودرجة عالية والقادر على هبتها يجب أن يكون عزيزاً أي كامل القدرة ووهاباً أي عظيم الجود وذلك هو الله سبحانه وتعالى، وإذا كان هو تعالى كامل القدرة وكامل الجود، لم يتوقف كونه واهباً لهذه النعمة على كون الموهوب منه غنياً أو فقيراً، ولم يختلف ذلك أيضاً بسبب أن أعداءه يحبونه أو يكرهونه والوجه الثالث: في الجواب عن هذه الشبهة قوله تعالى: {أَمْ لَهُم مٌّلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيَنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِي الأسباب} واعلم أنه يجب أن يكون المراد من هذا الكلام مغايراً للمراد من قوله: {أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ} والفرق أن خزائن الله تعالى غير متناهية كما قال: {وإن من شيء إلا عندنا خزائنه} ومن جملة تلك الخزائن هو هذه السماوات والأرض، فلما ذكرنا الخزائن أولاً على عمومها أردفها بذكر {مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا} يعني أن هذه الأشياء أحد أنواع خزائن الله، فإذا كنتم عاجزين عن هذا القسم، فبأن تكونوا عاجزين عن كل خزائن الله كان أولى، فهذا ما أمكنني ذكره في الفرق بين الكلامين، أما قوله تعالى: {فَلْيَرْتَقُواْ فِي الأسباب} فالمعنى أنهم أن ادعوا أن لهم ملك السماوات والأرض فعند هذا يقال لهم ارتقوا في الأسباب واصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يرتقوا عليه ويدبروا أمر العالم وملكوت الله وينزلوا الوحي على من يختارون، واعلم أن حكماء الإسلام استدلوا بقوله: {فَلْيَرْتَقُواْ فِي الأسباب} على أن الأجرام الفلكية وما أودع الله فيها من القوى والخواص أسباب لحوادث العالم السفلي لأن الله تعالى سمى الفلكيات أسباباً وذلك يدل على ما قلناه، والله أعلم، أما قوله تعالى: {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مّن الأحزاب} ففيه مقامان من البحث أحدهما: في