وقال الإمام زين الدين الرازي:
سورة ص
[940] فإن قيل: أين جواب القسم في قوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) [ص: 1] ؟
قلنا: فيه وجوه: أحدها: أنه لما ذكر حرفا من حروف المعجم على سبيل التّحدي والتنبيه على الإعجاز كما قيل في كل سورة مفتتحة بحرف أتبعه القسم محذوف الجواب لدلالة التحدي عليه، كأنه قال: (والقرآن ذي الذكر إنه لكلام معجز، وكذلك إذا كان الحرف مقسما به كأنه قال: (أقسمت بص والقرآن ذي الذكر إن هذا الكلام معجز.
الثاني: أن ص خبر مبتدأ محذوف على أنه اسم للسورة، كأنه قال هذه ص، يعني هذه السورة التي أعجزت العرب والقرآن ذي الذكر، كما تقول: هذا حاتم والله، تريد هذا هو المشهور بالسخاء والله.
الثالث: أن جواب القسم كم أهلكنا، وأصله لكم أهلكنا، فلمّا طال الكلام حذفت اللام تخفيفا، كما في قوله تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحاها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) [الشمس: 1، 9] .
الرابع: أن قوله تعالى: (إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ) [ص: 64] وهو قول الكسائي. وقال الفرّاء: وهذا لا يستقيم في العربية لتأخره جدا عن القسم.
[941] فإن قيل: ما وجه المناسبة والارتباط بين قوله تعالى: (اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وبين قوله تعالى:(وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ؟) [ص: 17] .
قلنا: وجه المناسبة بينهما أنه أمر أن يتقوى على الصبر بذكر قوة داود عليه السلام على العبادة والطاعة.
الثاني: أن المعنى عرفهم أن داود عليه السلام مع كرامته وشهرة طاعته وعبادته التي منها صوم يوم دون يوم، وقيام نصف الليل، كان شديد الخوف من عذابي، لا يزال باكيا مستغفرا. فكيف حال هؤلاء مع أفعالهم؟
[942] فإن قيل: كيف قال الملكان لما دخلا على داود عليه السلام خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ) [ص: 22] والملائكة لا يوجد منهم البغي والظلم، وكيف قال: (إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً) [ص: 23] إلى آخره، ولم يكن كما قال؟
قلنا: إنما قالا ذلك على سبيل الفرض والتصوير للمسألة، ومثل ذلك لا يعد كذبا كما تقول في تصوير المسائل، زيد له أربعون شاة وعمرو له أربعون وأنت تشير إليهما، فخلطاها وحال عليها الحول، كم يجب فيها وليس لهما شيء، وتقول لي أربعون شاة ولك أربعون فخلطناها وما لكم شيء.
[943] فإن قيل: كيف حكم داود عليه السلام على المدعى عليه بكونه ظالما قبل أن يسمع كلامه؟