وقال الدكتور/ محمد أبو موسى:
سورة (ص)
{ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) }
قال: وقال الكافرون والأصل أن يقال: وقالوا: ولكنهم ذكروا بصفة الفكر ليتقرر أنه لا يقول في نبي الله هذه المقالة إلا جاحد لكل خير، كافر بكل حقيقة، وأن الكفر يقترن بالكذب والبهتان، ومجانبة الصدق والعدل، ولولا أنه أفسد طباعهم لما اجترءوا على من يعرفون فضله وصدقه.
ومما يبلغ فيه الغاية قوله تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) }
قال: {يسبحن} والسياق أن يقول: مسبحات؛ لأن التسبيح قد وقع في زمن داود عليه السلام، ولكن لما كان تسبيح الجبال من أعجب الأحداث، وأدلها على قدرة العزيز الرحيم عبر عنها بصيغة المضارع التي نقلت الحدث من الماضي السحيق، وأحضرته في مقام المشاهدة، وكأنه يقع الآن، وكأنك ترى هذا المشهد الجليل من مشاهد القدرة الباهرة.
قال الزمخشري:"فإن قلت: هل من فرق بين يسبحن ومسحبات؟"
قلت: نعم وما اختير يسبحن على مسبحات إلا لذلك، وهو الدلالة على حدوث التسبيح من الجبال شيئا بعد شيء، وحالا بعد حال، وكأن السامع حاضر تلك الحال يراها تسبح"."
وهذا كما ترى من قدرات اللغة التي تستطيع كلمة منها بل صيغة كلمة أن تحضر مشهدا هائلا كذا، وكأن الكون والزمان، والأحداث كلها مضمرات في بظون الكلمات تفصح عنها حين تديرها يد الخبير بطبائعها، وأقرأ أول معلقة زهير، وكان من أقدر الشعراء على توظيف الوسائل اللغوية، واستغلال طاقاتها التعبيرية. انتهى انتهى {خصائص التراكيب، للدكتور/ محمد أبو موسى} ...