(فصل)
قال شمس الدين أبو المظفر (سبط ابن الجوزي) :
{ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) }
قال ابن عباس: جاءه جبريل - عليه السلام -
فقال له: قم قائمًا، فقال: وكيف أقدر، فقال: قم قائمًا، فقام وركض برجله، فنبعت عين ماء، فقال: اغتسلْ فاغتسلَ، ثم نحاه من مكانه وقال: اركضْ فركضَ، فنبعت عينٌ أخرى فقال: اشربْ فشربَ، فذلك قوله تعالى: {هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} [ص: 42] .
فإن قيل: فقد كان يكفيه ركضة واحدة؟
قلنا: الركضة الأولى لزوال الضرّ، والثانيةُ دليل الفرح والطرب بالعافية.
وإنما خصَّ الرجل بالركض لأن العادة جاريةٌ أن ينبع الماء من تحت الرجل، وكان ذلك معجزةً له.
قلت: وقد احتجَّ محمد بن طاهر المقدسيّ على جواز الرقص بهذه الآية، ولا حجة له فيها لأن ذلك الركض لم يكن رقصًا وإنما كان من باب المعجزات لا من باب الرقص المعتاد.
{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) }
واختلفوا في سبب يمينه على أقوال:
أحدها: حديث السخلة التي جاء بها إليها إبليس، وقد ذكرناه.
والثاني: أن إبليس جلس على طريق زوجته كأنه طبيب، فقالت له: يا عبد الله هاهنا رجلٌ مبتلى فهل لك أن تداويه؟ قال: نعم، على شرط أن يقولَ إنني شفيته، فأخبرته بذلك فقال: ذاك الشيطان، لله عليَّ إن شفَاني الله لأجلدنَّكِ مئة جلدة. قاله ابن عباس.
والثالث: أن إبليس لقيها فقال: أنا الَّذي فعلت بأيوب ما فعلت، وأنا إله الأرض وجميع في أخذتُ منه بيدي، فانطلقي أريك، ومشى بها غير بعيد ثم سحر بصرها فأراها واديًا عميقًا فيه أهلها وولدها، فأتت أيوب فأخبرته فقال: لعنه الله، ثم حلف، قاله وهب [1] .
وقال ابن عباس: قال إبليس لجنوده: قد أعياني أيوب، فقالوا: عليك بزوجته، فإنه ما أخرج آدم من الجنّة غير امرأته، فجاء إليها فوسوس لها بأنواع الوساوس حتَّى حلف أيوب ليجلدنها مئة جلدة، فأفتاه الله لطفًا بها فجمع العيدان.
وقيل: كانت مئة سنبلة، فضربها ضربة واحدة.
وهل ذلك خاصٌّ له أو عام؟ قال ابن عباس: هو عام، وقال مجاهد: هو خاصّ، والأول أصح.
[1] لا يخفى ما في هذه الأقوال من بعد بعيد، ولم يذكر القرآن الكريم سببا ليمينه - عليه السلام - ، وإذا لم يوجد في السنة المطهرة ما يعين ذلك، فالأولى التوقف وتفويض العلم في ذلك إلى علام الغيوب، والله أعلم.