الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهَلْ أَتَاكَ يَا مُحَمَّدُ نَبَأُ الْخَصْمِ
وَقِيلَ: إِنَّهُ عُنِيَ بِالْخَصْمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَلَكَانِ، وَخَرَجَ فِي لَفْظِ الْوَاحِدِ، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مِثْلُ الزُّورِ وَالسَّفَرِ، لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
[البحر الطويل]
وَخَصْمٍ يَعُدُّونَ الدُّخُولَ كَأَنَّهُمْ ... قُرُومٌ غَيَارَى كُلُّ أَزْهَرَ مُصْعَبِ
وَقَوْلُهُ: {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ}
يَقُولُ: دَخَلُوا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ بَابٍ الْمِحْرَابَ؛ الْمِحْرَابُ مَقْدَمُ كُلِّ مَجْلِسٍ وَبَيْتٍ وَأَشْرَفُهُ
وَقَوْلُهُ: {إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ} فَكَرَّرَ «إِذْ» مَرَّتَيْنِ
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ: قَدْ يَكُونُ مُعْنَاهُمَا كَالْوَاحِدِ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُكَ إِذْ دَخَلْتَ عَلَيَّ إِذِ اجْتَرَأْتَ، فَيَكُونُ الدُّخُولُ هُوَ الِاجْتِرَاءُ، وَيَكُونُ أَنْ تَجْعَلَ إِحْدَاهَمَا عَلَى مَذْهَبِ لَمَّا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ لَمَّا دَخَلُوا، قَالَ: وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ لَمَّا فِي الْأَوَّلِ، فَإِذَا كَانَ لَمَّا أَوَّلًا أَوْ آخِرًا، فَهِيَ بَعْدَ صَاحِبَتِهَا، كَمَا تَقُولُ: أَعْطَيْتُهُ لَمَّا سَأَلَنِي، فَالسُّؤَالُ قَبْلَ الْإِعْطَاءِ فِي تَقَدُّمِهِ وَتَأَخُّرِهِ
وَقَوْلُهُ: {فَفَزِعَ مِنْهُمْ}
يَقُولُ الْقَائِلُ: وَمَا كَانَ وَجْهُ فَزَعِهِ مِنْهُمَا وَهُمَا خَصْمَانِ، فَإِنَّ فَزَعَهُ مِنْهُمَا كَانَ لِدُخُولِهِمَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْبَابِ الَّذِي كَانَ الْمُدْخِلُ عَلَيْهِ، فَرَاعَهُ دُخُولُهُمَا كَذَلِكَ عَلَيْهِ
وَقِيلَ: إِنَّ فَزَعَهُ كَانَ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَيْهِ لَيْلًا فِي غَيْرِ وَقْتِ نَظَرِهِ بَيْنَ النَّاسِ.
{قَالُوا لَا تَخَفْ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ لَهُ الْخَصْمُ: لَا تَخَفْ يَا دَاوُدُ، وَذَلِكَ لَمَّا رَأَيَاهُ قَدِ ارْتَاعَ مِنْ دُخُولِهِمَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْبَابِ