[من روائع الأبحاث]
قال الفخر:
{وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) }
اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا مَدَحَ دَاوُودَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ مِنَ الْوُجُوهِ الْعَشَرَةِ أَرْدَفَهُ بِذِكْرِ قِصَّةٍ لِيُبَيِّنَ بِهَا أَنَّ الْأَحْوَالَ الْوَاقِعَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ لَا يُبَيِّنُ شَيْءٌ مِنْهَا كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُسْتَحِقًّا لِلثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ الْعَظِيمِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ) فَهُوَ نَظِيرُ قوله تَعَالَى: (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى) [طه: 9] وَفَائِدَةُ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ التَّنْبِيهُ عَلَى جَلَالَةِ الْقِصَّةِ الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهَا، لِيَكُونَ دَاعِيًا إِلَى الْإِصْغَاءِ لَهَا وَالِاعْتِبَارِ بِهَا.
وَأَقُولُ لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: ذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ عَلَى وَجْهٍ يَدُلُّ عَلَى صُدُورِ الْكَبِيرَةِ عَنْهُ وَثَانِيهَا:
دَلَالَتُهَا عَلَى الصَّغِيرَةِ وَثَالِثُهَا: بِحَيْثُ لَا تَدُلُّ عَلَى الْكَبِيرَةِ وَلَا عَلَى الصَّغِيرَةِ.
فَأَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ فَحَاصِلُ كَلَامِهِمْ فِيهَا: أَنَّ دَاوُدَ عَشِقَ امْرَأَةَ أُورِيَا، فَاحْتَالَ بِالْوُجُوهِ الْكَثِيرَةِ حَتَّى قَتَلَ زَوْجَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ بِهَا فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ فِي صُورَةِ الْمُتَخَاصِمَيْنِ فِي وَاقِعَةٍ شَبِيهَةٍ بِوَاقِعَتِهِ، وَعَرَضَا تِلْكَ الْوَاقِعَةَ عَلَيْهِ. فَحَكَمَ دَاوُدُ بِحُكْمٍ لَزِمَ مِنْهُ اعْتِرَافُهُ بِكَوْنِهِ مُذْنِبًا، ثُمَّ تَنَبَّهَ لِذَلِكَ فَاشْتَغَلَ بِالتَّوْبَةِ.
وَالَّذِي أَدِينُ بِهِ وَأَذْهَبُ إِلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: