قال - عليه الرحمة:
{اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) }
{ذَا الأَيْدِ} أي ذا القوة، ولم تكن قُوَّتُه قوةَ نَفْسٍ، وإنما كانت قوته قوةَ فِعْلٍ؛ كان يصوم يوماً ويفطر يوماً - وهو أشدُّ الصوم، وكان قوياً في دين الله بِنَفْسِه وقلبه وهمته.
{أَوَّابٌ} رَجَّاع.
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19)
كان داود يُسَبِّح، والجبالُ تُسَبِّح، وكان داود يفهم تسبيحَ الجبالِ على وجهِ تخصيصٍ له بالكرامة والمعجزة.
وكذلك الطير كانت تجتمع له فتسبِّح الله، وداود كان يعرف تسبيحَ الطير؛ وكلُّ مَنْ تَحقَّقَ بحاله ساعَدَه كلُّ شيءٍ كان بقُرْبِه، ويصير غيرُ جِنْسِه بحُكْمِه، وفي معناه أنشدوا:
رُبَّ ورقاءَ هتوفِ بالضُّحى ... ذات شجوٍ صَرَخَتْ في فَنَنِ
ذَكَرَتْ إلفاً ودهراً صالحاً ... وبَكَتْ شوقاً فهاجَتْ حَزَني
فبُكائي رُبَّما أَرَّقَها ... وبكاها ربما أَرَّقني
ولقد تشكو فما أفهمها ... ولقد أشكو فما تفهمني
وغير أني بالجوى أعرفها ... وهي أيضاً باجوى تعرفني
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20)
أي قوَّيْنا مُلْكَه بأنصاره، وفي التفسير: كان يحفظ مُلْكَه كلَّ ليلةٍ ثلاثةٌ وثلاثون ألفَ رجلٍ.
قوله جلّ ذكره: {وَشَدَدنَا مُلْكَهُ وَءَاتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} .
أي شددنا مُلْكَه بنصرنا له ودَفْعِنا البلاَءَ عنه.
ويقال شدنا مُلْكَه بالعدل في القضية، وحُسْنِ السيرة في الرعية.
ويقال شددنا ملكه بقبض أيدي الظَّلَمَة.
ويقال شددنا ملكه بدعاء المستضعفين.
ويقال شددنا مُلْكَه بأن رأى النصرةَ مِنَّا، وَتَبرَّأَ من حَوْلِه وقُوَّتِه.