114 -ولما فرغ الله سبحانه، من ذكر إنجاء الذبيح من الذبح، وما منّ عليه بعد ذلك من النبوة .. ذكر ما منّ به على موسى وهارون. فقال: {وَلَقَدْ مَنَنَّا} ؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أنعمنا {عَلى مُوسى} بن عمران وَأخيه الشقيق {هارُونَ} بن عمران، وهو أكبر من موسى سنًا بالنبوة وغيرها من النعم الدينية والدنيوية
115 - {وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما} وهم المؤمنون من بني إسرائيل؛ أي: خلّصناهم {مِنَ الْكَرْبِ} والبلاء {الْعَظِيمِ} ؛ أي: الشديد. والمراد بالكرب العظيم: هو ما كانوا فيه من استعباد فرعون وقومه إياهم، وما كان يصيبهم من جهته من البلاء، وقيل هو الغرق الذي أهلك به فرعون وقومه، والأول أولى.
116 -ولما كانت التنجية عبارة عن التخليص من المكروه، وهي لا تقتضي الغلبة أتبعها بقوله: {وَنَصَرْناهُمْ} ؛ أي: ونصرنا موسى وهارون وقومهما على أعدائهم، وأيّدناهم عليهم {فَكانُوا} بسبب نصرنا إياهم {هُمُ} فحسب {الْغالِبِينَ} على أعدائهم فرعون وقومه القبطيين، غلبةً لا غاية وراءها بعد أن كان قومهما في أسرهم وقسرهم مقهورين تحت أيديهم.
والحاصل: أن الله سبحانه وتعالى، فصّل النعم التي أنعم بها على موسى وهارون وقومهما.
فقال أولًا: {وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما} ؛ أي ومن آمن معهما من الكرب العظيم الذي كانوا فيه بإساءة فرعون وقومه إليهم من قتل الأبناء، واستحياء النساء، واستعمالهم في أخس المهن والصناعات، ومعاملتهم معاملة العبيد والأرقاء إلى ضروب أخرى، من المهانة والمذلة، التي لولا الفهم لها، لكانت كافية في انقراضهم، ولكنهم شعب لا يأبى الخضوع والاستكانة متى وجد في ذلك السبيل لجمع المال، وحيازته، والتمتع بلذات الدنيا.
وقال ثانيًا: {وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (116) } ؛ أي: ونصرناهم على أعدائهم، فغلبوهم، وملكوا أرضهم وأموالهم، وما كانوا قد جمعوه طوال حياتهم، فكانوا أصحاب الصولة، والسلطان، والدولة، والرفعة.