فبان بما أخصه الله تعالى من هذه الموعظة التي توخاه بها بعد المغفرة، أن خطيئته إنما كانت التقصير في الحكم والمبادرة إلى تظليم من لم تثبت عنده مظلمة.
وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: سجدها داود شكراً، فسجدها النبي - صلى الله عليه وسلّم - اتباعاً، وسجدها لذلك، فثبت أن السجود للشكر سنة متوارثة عن الأنبياء عليهم السلام.
فإن قيل: ليس في الآية ذكر السجود؟
قيل: بلى، فيها ذلك قال عرف عن الحسن خر ساجداً، وإن سجد خر حتى ركع.
وإنما أراد بذلك أنه لما قيل {خر} وكان الراكع لا يخر.
إنما يخر الساجد، علم أنه ركع ثم خر كأنه كان قائماً فانحنى.
ثم لم يقتصر على ذلك حتى خر فسجد، وقد تظاهرت الأخبار أنه سجد وأطال عندما استشعر بالخطيئة فدل ذلك على أن المعنى بالآية هو السجود والله أعلم.
وأما نبينا محمد - صلى الله عليه وسلّم - فقد جاء عنه أنه رأى نقاشاً يقال له رتيم، فقرأ فخر النبي - صلى الله عليه وسلّم - ساجداً، وقال: «الحمد لله الذي لم يجعلني مثل رتيم» ، هذا على أنه لم يكن رأى خلقاً في نقصان خلق رتيم، فلما رآه حمد الله تعالى على ما أكمل من خلقه، فكان كمال خلقه حتى لا يكون كرتيم نعمة خافية عليه، فلما ظهرت له سجد.
وقال أبو بكر: كان النبي - صلى الله عليه وسلّم -: «إذا أتاه فبشره خر ساجداً» .
وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنه قال: «إني لقيت جبريل عليه السلام، فبشرني، وقال: إن الله - عز وجل - يقول: من صلى عليك صلاة صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكراً» .
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - فقال: «إن ربي قال لي: لمن أجرتك في أمتك، وبشرني أن أول من يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً من كل سبعين ألف، ليس عليهم حساب.
ثم أرسل إلي ربي ادع نجب جبل يقظه.
وأنه أعطاني أني أول الأنبياء دخولاً الجنة، ولم يجعل علينا من حرج، فلم أجد شكراً غيرهما».
وجاء عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: أقبلت إلى النبي - صلى الله عليه وسلّم - وهو قائم يصلي، ثم سجد سجدة ظننت أن نفسه قبضت فيها.
فقلت: يا رسول الله، سجدت سجدة ظننت أن نفسك قبضت فيها قال: «إني صليت ما كتب لي ربي عز وجل، فقال: يا محمد ما أفعل بأمتك؟ فقلت يا رب، أنت أعلم قال لي: إني لن أحرمك في أمتك، فسجدت لربي - عز وجل - بها شاكراً» .