ومن لطائف ونكات تفسير القرطبي:
سورة الصافات
(وَالصَّافَّاتِ صَفًّا(1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5)
(وَالصَّافَّاتِ) قَسَمٌ، الْوَاوُ بَدَلٌ مِنَ الْبَاءِ.
والمعنى برب الصافات و (فَالزَّاجِراتِ) عَطْفٌ عَلَيْهِ. (إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ) جَوَابُ الْقَسَمِ.
وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ فَتْحَ إِنَّ فِي الْقَسَمِ.
وَالْمُرَادُ بِ (الصَّافَّاتِ) وَمَا بَعْدَهَا إِلَى قَوْلِهِ: (فَالتَّالِياتِ ذِكْراً) الْمَلَائِكَةُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ.
تُصَفُّ فِي السَّمَاءِ كَصُفُوفِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا لِلصَّلَاةِ.
وَقِيلَ: تَصُفُّ أَجْنِحَتَهَا فِي الْهَوَاءِ وَاقِفَةً فِيهِ حَتَّى يَأْمُرَهَا اللَّهُ بِمَا يُرِيدُ.
وَهَذَا كَمَا تَقُومُ الْعَبِيدُ بَيْنَ أَيْدِي مُلُوكِهِمْ صُفُوفًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: (صَفًّا) لِصُفُوفِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ.
وَقِيلَ: هِيَ الطَّيْرُ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ
تَعَالَى: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ) [الملك: 19] .
وَالصَّفُّ تَرْتِيبُ الْجَمْعِ عَلَى خَطٍّ كَالصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ.
(والصَّافَّاتِ) جَمْعُ الْجَمْعِ، يُقَالُ: جَمَاعَةٌ صَافَّةٌ ثُمَّ يُجْمَعُ صَافَّاتٍ.
وَقِيلَ: الصَّافَّاتُ جَمَاعَةُ النَّاسِ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا قَامُوا صَفًّا فِي الصَّلَاةِ أَوْ في الجهاد، ذكره القشيري. (فَالزَّاجِراتِ) الْمَلَائِكَةُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَمَسْرُوقٍ وَغَيْرِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
إِمَّا لِأَنَّهَا تَزْجُرُ السَّحَابَ وَتَسُوقُهُ فِي قَوْلِ السُّدِّيِّ.
وَإِمَّا لِأَنَّهَا تَزْجُرُ عَنِ الْمَعَاصِي بِالْمَوَاعِظِ وَالنَّصَائِحِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ زَوَاجِرُ الْقُرْآنِ. (فَالتَّالِياتِ ذِكْراً) الْمَلَائِكَةُ تقرأ كتاب الله تعالى، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُ جُبَيْرٍ وَالسُّدِّيُّ.