وَقِيلَ: الْمُرَادُ جِبْرِيلُ وَحْدَهُ فَذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، لِأَنَّهُ كَبِيرُ الْمَلَائِكَةِ فَلَا يَخْلُو مِنْ جُنُودٍ وَأَتْبَاعٍ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمُرَادُ كُلُّ مَنْ تَلَا ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَكُتُبَهُ.
وَقِيلَ: هِيَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَصَفَهَا بِالتِّلَاوَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ) [النمل: 76] .
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِآيَاتِ الْقُرْآنِ تَالِيَاتٌ، لِأَنَّ بَعْضَ الْحُرُوفِ يَتْبَعُ بَعْضًا، ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ.
وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّالِيَاتِ الْأَنْبِيَاءُ يَتْلُونَ الذِّكْرَ عَلَى أُمَمِهِمْ.
«فَإِنْ قِيلَ» : مَا حُكْمُ الْفَاءِ إِذَا جَاءَتْ عَاطِفَةً فِي الصِّفَاتِ؟
قِيلَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تَدُلَّ عَلَى تَرَتُّبِ مَعَانِيهَا فِي الوجود، كقوله:
يَا لَهْفَ زَيَّابَةَ لِلْحَارِثِ الصَّ ... ابِحِ فَالْغَانِمِ فَالْآيِبِ
كَأَنَّهُ قَالَ: الَّذِي صَبَّحَ فَغَنِمَ فَآبَ.
وَإِمَّا عَلَى تَرَتُّبِهَا فِي التَّفَاوُتِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ كَقَوْلِكَ: خُذِ الْأَفْضَلَ فَالْأَكْمَلَ، وَاعْمَلِ الْأَحْسَنَ فَالْأَجْمَلَ.
وَإِمَّا عَلَى تَرَتُّبِ مَوْصُوفَاتِهَا فِي ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ فَالْمُقَصِّرِينَ.
فَعَلَى هَذِهِ الْقَوَانِينِ الثَّلَاثَةِ يَنْسَاقُ أَمْرُ الْفَاءِ الْعَاطِفَةِ فِي الصِّفَاتِ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. (إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ) جَوَابُ الْقَسَمِ.
قَالَ مُقَاتِلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ بِمَكَّةَ قَالُوا أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً، وَكَيْفَ يَسَعُ هَذَا الْخَلْقَ فَرْدُ إِلَهٍ! فَأَقْسَمَ اللَّهُ بِهَؤُلَاءِ تشريفا.
وَنَزَلَتِ الْآيَةُ.
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيُّ: وَهُوَ وَقْفٌ حسن، ثم تبتدى (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) عَلَى مَعْنَى هُوَ رَبُّ السماوات.
النَّحَّاسُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ (رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)
خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ (وَاحِدٍ) .
قُلْتُ: وَعَلَى هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ لَا يُوقَفُ عَلَى (لواحد) .
وحكى الأخفش: (رب السماوات وَرَبَّ الْمَشَارِقِ) بِالنَّصْبِ عَلَى النَّعْتِ لِاسْمِ إِنَّ.