{يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) }
{يس. والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين. على صراط مستقيم. تنزيل العزيز الرحيم. لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون. لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون. إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون. وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون. وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون. إنما تنذر من اتبع الذكر، وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم. إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} ..
يقسم الله سبحانه بهذين الحرفين:"يا. سين"كما يقسم بالقرآن الحكيم. وهذا الجمع بين الأحرف المقطعة والقرآن يرجح الوجه الذي اخترناه في تفسير هذه الأحرف في أوائل السور؛ والعلاقة بين ذكرها وذكر القرآن. وأن آية كونه من عند الله، الآية التي لا يتدبرونها فيردهم القرآن إليها، أنه مصوغ من جنس هذه الأحرف الميسرة لهم؛ ولكن نسقه التفكيري والتعبيري فوق ما يملكون صياغته من هذه الحروف.
ويصف القرآن وهو يقسم به بأنه {القرآن الحكيم} . والحكمة صفة العاقل. والتعبير على هذا النحو يخلع على القرآن صفة الحياة والقصد والإرادة. وهي من مقتضيات أن يكون حكيماً. ومع أن هذا مجاز إلا أنه يصور حقيقة ويقربها. فإن لهذا القرآن لروحاً! وإن له لصفات الحي الذي يعاطفك وتعاطفه حين تصفي له قلبك وتصغي له روحك! وإنك لتطلع منه على دخائل وأسرار كلما فتحت له قلبك وخلصت له بروحك! وإنك لتشتاق منه إلى ملامح وسمات، كما تشتاق إلى ملامح الصديق وسماته، حين تصاحبه فترة وتأنس به وتستروح ظلاله! ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع تلاوة القرآن من غيره؛ ويقف على الأبواب ينصت إذا سمع من داخلها من يرتل هذا القرآن. كما يقف الحبيب وينصت لسيرة الحبيب!