وقوله: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ(28)
أي: من بعد قتل ذلك الرجل (مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ) : من الملائكة، أي: لم ننزل على قومه في هلاكهم بعد صنيعهم بمكانه وإهلاكهم إياه - جندا من السماء، ولكن أهلكوا بصيحة واحدة، أي: لم نفعل بهم كما يفعل ملوك الأرض إذا قتل رسلهم وأهلك أولياؤهم، يبعثون بجنود في استئصال من فعل ذلك بهم، ولكن أهلكهم بصيحة واحدة.
ثم يحتمل قوله: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً ...(29) . أي: قدر صيحة واحدة، أي: أهلكوا بقدر صيحة واحدة في سرعتها.
ويحتمل الإهلاك بالصيحة، أي: أهلكوا بالصيحة، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) .
قيل: موتى مثل النار إذا خمدت وطفئت، لا يسمع لها صوت.
وقوله: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ...(30)
في تركهم الإيمان باللَّه وتكذيبهم الرسل واستهزائهم بهم، والحسرة: قال بعض أهل الأدب: هي الغاية من الندامة، إذا انتهت الندامة غايتها يقال: حسرة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: الحسرة: الحزن والتحزن والتندم؛ وهو واحد.
ثم قَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ) : أي: يا حسرة الرسل على ذلك المؤمن المقتول على الإيمان بهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: يا حسرة أُولَئِكَ الكفرة على أنفسهم إذا عاينوا العذاب على ما كان منهم من الاستهزاء على الرسل؛ كقوله: (يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) ، وقوله: (يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) ، واللَّه أعلم.
وقوله: (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ(31)
فَإِنْ قِيلَ: كيف احتج عليهم بالرجوع إليهم وهم كانوا ينكرون البعث والرجوع بعد الموت؟!
فهو يخرج على وجوه: