[من روائع الأبحاث]
قال الخطيب الإسكافي:
سورة يس
الآية الأولى منها
قوله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} وقال في سورة القصص: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قَالَ يَا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} .
للسائل أن يسأل عن تقديم قوله: {مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ} على {رَجُلٌ} الذي هو الفاعل في سورة يس، وتأخيره في السورة التي قبلها.
والجواب أن يقال: إن الفاعل في الموضعين لما كان نكرة، والمعنى: جاء جاء، وقد دل الفعل على جاء، ولا يكون الجائي من أقصى المدينة في الأعم الأغلب إلا رجلا، وكان الذي يفاد المخاطب أن يعرف أنه جاء من مكان بعيد إلى مجتمع الناس في القرية، وحيث لا يقرب من مجاري القصة، ولا يحضر موضع الدعوة ومشهد المعجزة، فقدم ما تبكيت القوم به أعظم، والتعجب منه أكثر، فقال: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ} ينصح لهم ما لا ينصحون مثله لأنفسهم، ولا ينصح لهم أقربوهم، مع أنه لم يحضر جميع ما يحضرونه، ولم يشهد من كلام الأنبياء ما يشهدونه، فبعثهم على اتباع الرسل المبعوثين إليهم، وقبول ما يأتون به من عند مرسلهم.
وأما الآية الأولى من سورة القصص، فإن المراد: جاء من لا يعرفه موسى من مكان لم يكن مجاورا لمكانه، فأعلمه ما فيه الكفار من ائتمارهم به، فاستوى حكم الفاعل والمكان الذي جاء منه، فقدم ما أصله التقديم، وهو الفاعل إذ لم يكن هنا تبكيت للقوم بكونه {مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ} كما كان ذلك في الآية المتقدمة.
الآية الثانية منها
قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ} وقال في سورة الفرقان: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} .