(فصل)
قال جمال الدين الحبيشي:
ثمَّ ظهر بعد ذَلِك مُلُوك جهلة ووزراء خونة وأجناد فسقة فظلموا وهضموا بأعذار وضعوها ورسومات ابتدعوها وتمويهات صنعوها
وَمَا نقل عَن أحد مِمَّن ظلم وهضم من مُلُوك الْعَرَب والعجم مِمَّن وحد الله وَأسلم أَنه عكس قانون الشَّرِيعَة وَلَا رام خذلانها فِي الدُّنْيَا الوسيعة وَلَا غير قانونها الرفيع وَلَا رمى أَهلهَا بالثلب والتبديع بل أَقَامُوا الدّين على رؤوسهم وآثروا نصر الشَّرِيعَة على نُفُوسهم وبذلوا الْأَرْوَاح وَالْأَمْوَال لنصره وقدروا شرع الله سُبْحَانَهُ حق قدره وأوصوا بتوقيره أخدامهم وأجروا بذلك فِي كتبهمْ أقلامهم فَكَانُوا إِذا ولوا أَمِيرا على نَاحيَة أَو بَلْدَة قاصية فَمن أول مَا يعهدون إِلَيْهِ وَيَأْخُذُونَ عَلَيْهِ الْقيام بإعزاز الشَّرِيعَة والحكام اللَّذين بهما قوام الْإِسْلَام
وَمن أَمْثِلَة مَا يكتبونه لَهُ مَا حَكَاهُ الْوَزير ضِيَاء الدّين نصر الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الْأَثِير رَحمَه الله فِي كتاب الْمثل السائر عَن الْخَلِيفَة الطائع لله إِذْ قَالَ فِيمَا كتبه لبَعض من ولاه وَأمره أَن يُوصي عماله بالشد على أَيدي الْحُكَّام وتنفيذ مَا يصدر عَنْهُم من الْأَحْكَام وَأَن يحضروا مجْلِس الْقُضَاة حُضُور الموقرين لَهَا الذابين عَنْهَا المقيمين لرسوم الهيبة وحدود الطَّاعَة فِيهَا
وَمن خرج عَن ذَلِك من ذِي عقل ضَعِيف وَحكم سخيف نالوه بِمَا يردعه وَأَحلُّوا بِهِ مَا يزعجه
اهـ
وَمَتى تقاعس متقاعس عَن حُضُوره مَعَ خصم يستدعيه بِأَمْر يُوجِبهُ الله فِيهِ أَو التوى ملتو بِحَق مقضي عَلَيْهِ وَدين مُسْتَقر لَدَيْهِ قادوه إِلَى الشَّرِيعَة بأزمة الصغار وجرائم الإضطرار وَأَن يحبسوا ويطلقوا بأقوال الْحُكَّام وقضاياهم ويثبتوا الْأَيْدِي فِي الْأَمْلَاك وينزعوها بحكمهم وفتواهم فَإِنَّهُم أُمَنَاء الله فِي فصل مَا يقضون وَبث مَا يبتون وَعَن كتاب الله وَسنة نبيه يوردون وَيَصْدُرُونَ فِي كَلَام كثير يدل على التبجيل والتوقير.