[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(آداب العلماء والمتعلمين)
للحسين بن المنصور بالله القاسم بن محمد بن علي اليمني
الفصل الأول
آداب العالم في علمه
وفيه اثنا عشر نوعاً
النوع الأول:
أن يقصد العالم بعلمه وجه الله تعالى ولا يقصد به توصلاً إلى غرض دنيوي، كتحصيل مال أو جاه أو شهرة أو سمعة أو تميز عن الأقران ونحو ذلك، ولا يشين علمه وتعليمه بشيء من الطمع في رفق يحصل له من مشتغل عليه بمال أو خدمة أو نحوها، وإن قل وإن كان على صورة الهدية، التي لولا اشتغاله عليه لما أهداها إليه، وكان منصور لا يستعين بأحد يختلف إليه في حاجة، وقال سفيان بن عيينة: كنت قد أوتيت فهم القرآن، فلما قبلت الصرة من أبي جعفر سلبته نسأل الله المسامحة، وينبغي له أن يصحح نيته عند الشروع في كل ما يفيده.
قال أبو مزاحم الخاقاني: قيل لأبي الأحوص حدثنا، فقال: ليت لي نية، فقالوا له: إنك تؤجر، فقال شعراً:
يمنوني الخير الكثير وليتني ... نجوت كفافاً لا عليّ ولا ليا
وقد صح عن الشافعي رحمه الله أنه قال: وددت أن الخلق تعلموا مني هذا العلمِ على أن لا ينسب إلي حرف منه. وقال رحمه الله: ما ناظرت أحداً قط على الغلبة، ووددت إذا ناظرت أحداً أن يظهر على يديه، وقال: ما كلمت أحداً قط إلا وددت أن يوفق ويسدد ويعان ويكون عليه رعاية من الله وحفظ. وعن أبي يوسف رحمه الله قال: يا قوم أريدوا بعلمكم الله، فإني لم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أعلوهم، إلا لم أقم حتى أفتضح.
الثاني:
دوام مراقبة الله تعالى في السر والعلانية، والمحافظة على خوفه في جميع حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله، فإنه أمين على ما أودع من العلوم، وما منح من الحواس والفهوم. قال الله تعالى: (لا تخوَنوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) . وقال تعالى: (بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشونِ) .
قال الشافعي: ليس العلم ما حفظ، العلم ما نفع، وعليه بدوام السكينة والوقار والخشوع والورع والتواضع والخضوع.