وقوله: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(32)
اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) هو ممن أخبر أنه اصطفاه للهدى من متبعي مُحَمَّد، وهم أصحاب الكبائر في قول بعض.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم أصحاب الصغائر.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم أصحاب الصغائر والكبائر جميعًا.
ومنهم من يقول: هو في الناس جميعًا المتبع له وغير المتبع.
ثم اختلف في قوله: (ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) :
قَالَ بَعْضُهُمْ: هو المنافق الذي أظهر الموافقة لرسوله وأضمر الخلاف له.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم اليهود والنصارى، فقد آمنوا قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هم المشركون وقد أقسموا أنه لو جاءهم نذير: (لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) .
فهَؤُلَاءِ كلهم في النار، وما ذكر من الاصطفاء والاختيار على قول هَؤُلَاءِ يكون لرسول اللَّه؛ حيث بعث إليهم؛ ليدعوهم إلى توحيد اللَّه.
والأشبه أن يكون قوله: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) من أمته من متبعي الرسول ما روي في الخبر عن أبي الدرداء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إن ثبت - قال:"تلا رسول اللَّه هذه الآية فقال: أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا ثم يدخل الجنة؛ أما الظالم لنفسه فيحبس حتى يظن أنه لن ينجو ثم تناله الرحمة فيدخل الجنة"، ثم قال رسول اللَّه: وهم الذين قالوا: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ...) الآية. وكذلك روي عن أنس وعائشة عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ، فإن ثبت عنه فهو تأويل الآية، وتفسير الظالم من أهل التوحيد والملة.