ثم يقول الحق سبحانه:
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) }
تلحظ أن الحق سبحانه وتعالى يُذكِّرنا ببعض نِعَمه علينا، ثم يُتبع ذلك ببعض المطلوبات، وهكذا ليُؤنِس قلبك بالإحسان إليك لتستجيب لمطلوباته. والحق سبحانه حين يُذكِّر عباده بهذه الآية الكونية، آية إنزال الماء من السماء بعد أنْ بيَّن لنبيه أخْذه الشديد للكافرين، كأنه سبحانه يقول لرسوله دَعْك من أمر هؤلاء الكافرين، فأنا قادر على معاقبتهم، وتأمل في هذه الآية الكونية {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً .. } فاطر 27. وقوله {أَلَمْ تَرَ} فاطر 27 أي تشاهد لأن الجميع يرى الماء، وهو ينزل من ناحية العلو، والسماء هي كل ما علاك فأظلَّك، وقد تأتي
{أَلَمْ تَرَ} بمعنى ألم تعلم. وهذا في الأشياء التي لم يَرَها رسول الله كما في قوله سبحانه
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} الفيل 1.
ومعلوم أن سيدنا رسول الله لم يَرَ حادثة الفيل، لكن خاطبه ربه بـ
{أَلَمْ تَرَ} ليدل على أن إخبار الله له أوثقُ وأصدقُ من رؤية العين. ومسألة إنزال الماء من السماء أي من ناحيتها، وإلا فالسماء شيء آخر، المطر إنما ينزل من السحاب القريب من الأرض. نقول مسألة إنزال الماء من ناحية السماء يبدو أمراً طبيعياً، فبخار الماء ينعقد في السماء على هيئة سُحُب ممتلئة بالماء، والماء له ثِقَل ينزل إلى أسفل بجاذبية الأرض، لذلك يرتب الله على إنزال المطر إخراج النبات {فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا} فاطر 27 فإنْ قُلْتُ إن نزول الماء من السماء أمر طبيعي قد يُشك فيه أنه من فعل الطبيعة، فهل إحياء الأرض وإنبات النبات مختلف الثمرات والألوان أيضاً من فعل الطبيعة؟ وكلمة {أنزَلَ} فاطر 27 تفيد العُلُو من المُنزِل والدُّنُو من المُنزَل إليه، حتى لو كان هذا الأمر معكوساً وأتى الإنزال من أسفل إلى أعلى كما في قوله تعالى
{وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}