{ثُمَّ} للترتيب والتأخير أي: بعدما أوحينا إليك أو بعد كتب الأولين كما دل ما قبله على كل منهما.
وسئل الثوري على ماذا عطف بقوله ثم قال على إرادة الأزل والأمر المقضي أي: بعدما أردنا في الأزل {أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ} أي: ملكنا بعظمتنا ملكاً تاماً وأعطينا هذا القرآن عطاء لا رجوع فيه.
قال الراغب الوراثة انتقال قينة إليك عن غيرك من غير عقد ولا ما يجري مجرى العقد وسمي بذلك المنتقل عن الميت ويقال لكل من حصل له شيء من غير تعب قد ورث كذا انتهى وسيأتي بيانه {الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} الموصول مع صلته مفعول ثان لأورثنا.
والاصطفاء في الأصل تناول صفو الشيء بالفارسية: (بركزيدن وعباد اينجا بموضع كرامت است اكره كه نسبت عبوديت آدمرا حقيقت است) كما في"كشف الأسرار"
أمتى ورب الكعبة والله تعالى اصطفاهم على سائر الأمم كما اصطفي رسولهم على جميع الرسل وكتابهم على كل الكتب وهذا الإيراث للمجموع لا يقتضي الاختصاص بمن يحفظ جميع القرآن بل يشمل من يحفظ منه جزء ولو أنه الفاتحة فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يكن واحد منهم يحفظ جميع القرآن ونحن على القطع بأنهم مصطفون كما في"المناسبات".