ومن لطائف ونكات تفسير الماوردي:
سورة يس
قوله عز وجل: {قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ}
«فإن قيل» : (يعلم الله تعالى) أنهم لا تكون حجة عند الكفار لهم؟
قيل يحتمل قولهم ذلك وجهين: أحدهما: معناه ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون بما يظهره لنا من المعجزات , وقد قيل إنهم أحيوا ميتاً وأبرؤوا زمِناً.
الثاني: أن تمكين ربنا لنا إنما هو لعلمه بصدقنا.
واختلف أهل العلم فيهم على قولين: أحدهما: أنهم كانوا رسلاً من الله تعالى إليهم.
الثاني: أنهم كانوا رسل عيسى عليه السلام من جملة الحواريين أرسلهم إليهم فجاز , لأنهم رسل رسول الله , أن يكونوا رسلاً لله , قاله ابن جريج.
{وَمَا عَلَيْنَآ إلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ} يعني بالإعجاز الدال على صحة الرسالة أن الذي على الرسل إبلاغ الرسالة وليس عليهم الإجابة , وإنما الإجابة على المدعوين دون الداعين.
قوله عز وجل: {وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي}
أي خلقني {وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ} أي تبعثون.
«فإن قيل» : فلم أضاف الفطرة إلى نفسه والبعث إليهم وهو معترف أن الله فطرهم جميعاً ويبعثهم إليه جميعاً؟
قيل: لأنه خلق الله تعالى له نعمة عليه توجب الشكر , والبعث في القيامة وعيد يقتضي الزجر , فكان إضافة النعمة , إلى نفسه إضافة شكر , وإضافة الزجر إلى الكافر أبلغ أثراً.
قال قتادة: بلغني أنهم لما قال لهم: (وما لي لا أعبد الذي فطرني) وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه وهو يقول: يا رب اهدِ قومي , أحسبه قال: فإنهم لا يعلمون.
{وتُكلِّمنا أيديهم وتشهدُ أرجلهم بما كانوا يكسبون}
وفي كلامها ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه يظهر منها سِمة تقوم [مقام] كلامها كما قال الشاعر:
(وقد قالت العينان سمعاً وطاعة ... وحَدَّرنا كالدر لما يثَقّبِ)
الثاني: أن الموكلين بها يشهدون عليها.
الثالث: أن الله تعالى يخلق فيها ما يتهيأ معه الكلام منها. روى الشعبي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقال لأركانه انطقي فتنطق بعمله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول: بُعداً لكنَّ وسحقاً فعنكن كنت أناضل) .
«فإن قيل» : فلم قال {وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم}
فجعل ما كان من اليد كلاماً , وما كان من الرجل شهادة؟