أتبع ذلك: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)
هذا المعنى معطوف بحرف"ثم"على ما تقدم من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ)
وهو وصف لصدر هذه الأمة وهم غررنا، ولكل أمة غرة.
يقول - جل قوله: (أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ) يعني: القرآن (الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)
على عمومهم من لدن الإقرار بالشهادة، وهم على ذلك ثلاثة أصناف(ظَالِمٌ
لِنَفْسِهِ)مسرف عليها بكثرة الذنوب وتضييع أكثر الواجبات مع تمسكه بالأصل
و (مُقْتَصِدٌ) خلط عملاً صالحًا وآخر سيئًا يتوب ثم يعود، يعمل الخير ثم يقابله من
ذنوبه بما يناقضه، وربما تقدم إلى مقصوده، وغلب خيره على شره، و(سَابِقٌ
بِالْخَيْرَاتِ)وقرئ"سباق بالخيرات" (بِإِذْنِ اللَّهِ) قد احتوشته العصمة، وأيد بالروح
وقصد بالرحمة (ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(32) .
هذا القسم منتظم بالمذكورين من قبل:(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا
الصَّلَاةَ)إلى قوله: (غَفُورٌ شَكُورٌ(30) .
ثم وصل به قوله:(وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ
يَدَيْهِ).
يقول - عز من قائل: جمعوا إلى تلاوة كتاب الله العلم بأنه(الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا
بَيْنَ يَدَيْهِ)وهؤلاء هم الذين يتلون الكتاب حق تلاوته، وهم السابقون بالخيرات،
وهؤلاء - والله أعلم - في هذه الأمة إخوان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين يشتاق إلى لقائهم
سبعون ألفًا مع كل ألف سبعون ألفًا أو سبعمائة ألف مع كل ألف سبعمائة ألف،
فالسبعون ألفا هم السابقون للمذكورين بقوله:"مع كل ألف سبعون ألفًا"وهؤلاء
أيضًا السابقون للمذكورين بقوله: مائة لمن بعدهم المذكورين بقوله:"مع كل ألف"
سبعمائة ألف"جعلنا الله من الأولين بمنِّه ورحمته، والقسمان في الفضل دونه ارتفع"
الأول منهما عن مرتبة الكفر بالله والإشراك به ولم يلحق الأوسط بالأعلى (هُمْ
دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163) .