(فصل: قولهم في الفقر)
قال السُّهْرَوَرْدي:
قال ابن الجلاء: الفقر أن لا يكون لك؛ فإذا كان لك لا يكون لك حتى تؤثر.
وقال الكتاني: إذا صح الافتقار إلى الله تعالى صح الغنى بالله تعالى، لأنهما حالان لا يتم أحدهما إلا بالآخر.
وقال النوري: نعت الفقراء السكون عند العدم، والبذل عند الوجود، وقال غيره: والاضطراب عند الموجود.
وقال الدراج: فتشت كنف أستاذي أريد مكحلة، فوجدت فيها قطعة فتحيرت، فلما جاء قلت له: إني وجدت في كنفك هذه القطعة. قال: قد رأيتها ردها، ثم قال: خذها واشتر بها شيئاً، فقلت: ما كان أمر هذه القطعة بحق معبودك؟ فقال: ما رزقني الله تعالى من الدنيا صفراء ولا بيضاء غيرها، فأردت أن أوصي أن تشدّ في كفني فأردها إلى الله.
وقال إبراهيم الخواص: الفقر رداء الشرف ولباس المرسلين وجلباب الصالحين.
وسئل سهل عن عبد الله عن الفقير الصادق؟ فقال: لا يسأل ولا يرد ولا يحبس.
قال أبو علي الروذباري رحمه الله: سألني الزقاق فقال: يا أبا علي، لم ترك الفقراء أخذ البلغة في وقت الحاجة؟. قال: قلت لأنهم مستغنون بالمعطي عن العطايا، قال: نعم، ولكن وقع لي شيء آخر، فقلت: هات أفدني ما وقع لك؟ قال: لأنهم قوم لا ينفعهم الوجود، إذ لله فاقتهم، ولا تضرهم الفاقة، إذ لله وجودهم. قال بعضهم: الفقر وقوف الحاجة على القلب ومحوها عما سوى الرب.
وقال المسوحي: الفقير الذي لا تغنيه النعم ولا تفقره المحن.
وقال يحيى بن معاذ: حقيقة الفقر أن لا يستغنى إلا بالله، ورسمه عدم الأسباب كلها.
وقال أبو بكر الطوسي: بقيت مدة أسأل عن معنى اختيار أصحابنا لهذا الفقر على سائر الأشياء؟ فلم يجبني أحد بجواب يقنعني، حتى سألت نصر بن الحمامي فقال لي: لأنه أول منزل من منازل التوحيد، فقنعت بذلك.
وسئل ابن الجلاء عن الفقر؟ فسكت حتى صلى، ثم ذهب ورجع ثم قال: إني لم أسكت إلا لدرهم كان عندي فذهبت فأخرجته، واستحيت من الله تعالى أن أتكلم في الفقر وعندي ذلك، ثم جلس وتكلم.
قال أبو بكر بن طاهر عن حكم الفقير: أن لا يكون له رغبة، فإن كان ولا بدّ لا تجاوز رغبته كفايته.
قال فارس: قلت لبعض الفقراء مرة - وعليه أثر الجوع والضر: لم لا تسأل فيطعموك؟ فقال: إني أخاف أن أسألهم فيمنعوني فلا يفلحون.
وأنشد لبعضهم:
قالوا غداً عيدٌ ماذا أنت لابسه ... فقلت خلعة ساق عبده الجرعا
فقر وصبر هما ثوبان تحتهما ... قلب يرى ربّه الأعياد والجمعا