(فصل)
قال فريد الدين العطار:
(حكاية)
كان رجل نحيل مهوم يحث الخطى، قاصدا الصحراء حتى وصل إلى صوفي هناك، فقال: كيف تملك، أيها الصوفي، زمام أمرك؟
قال: عن أي شيء تسأل في النهاية؟ لتلتزم الخجل، لقد عشت في ضنك هذه الدنيا، حتى ضاقت بي دنياي في هذا الزمان
قال الرجل: إن ما قلته يجافي الحقيقة، فهل ضاقت بك الصحراء الشاسعة؟
قال (الصوفي) : إن لم يكن هذا المكان ضيقا، لما وقفت عليّ هنا مطلقا. إن وعدت وعودا عديدة براقة، فهذه علامة على أنه سيلقي بك في النار المحرقة، وما نارك إلا الدنيا، فابتعد عن هذه النار، وافعل كما فعل الأبطال، وكن حذرا من هذه النار.
وإن تخليت عنها ملكت زمام قلبك، بعد ذلك يكون قصر السرور في متناول يد.
النار في المقدمة، والطريق جد طويلة، والجسد ضعيف، والقلب أسير، والروح نافرة، أنت خالي الوفاض من كل شيء، فأقبل على العمل واجتهد فيه.
إذا كنت قد خبرت الدنيا، فقدم روحك نثارا، فلن تجد من الدنيا اسما أو أثرا وإن تركت الكثير، فلن ترى شيئا مطلقا، وماذا أقول بعد كل هذا، فلا يتملكك الغضب مطلقا.
(حكاية)
كان هناك أبله مات فلذة كبده، فانعدم الصبر والراحة والاستقرار عنده، وسار صاحب المأتم خلف النعش لا يقر له قرار، ثم صاح متأوها: ولدي، يا من مضيت ولم تر الدنيا، كيف رحلت عن هذه الدنيا؟
سمع مجذوب هذا القول ورأى هذا الفعل، فقال: لقد رأى الدنيا مائة مرة، وأنت إن ترغب في حمل الدنيا معك، فستكون كمن لم يرها كذلك، فإلام تظل تطمع في هذه الدنيا؟ لقد انقضى العمر، فمتى تصنع دواء لهذا الداء؟ وإن لم تتخلص من نفسك الخسيسة، فستفني روحك الغالية في النجاسة. انتهى انتهى {منطق الطير، لفريد الدين العطار} ...