قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ ... (31) }
ابن عرفة: يشار بلفظ القريب للبعيد تعظيما لأمره في قلبه، إما مدحا أو ذما، كقوله تعالى: (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) ، وعكسه أن يشار بالبعيد للقريب تحقيرا له في بابه، مثل (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) ، وكذلك هذا هم يحتقرونه، واستعمل لفظ إذا في المستقبل، وهو ظرف لما مضى.
وأجيب: بأنه أمر تقديري أي لو حضروا بين يديك ورأيتهم لرأيت عجبا، لأنه يخلص الفعل للماضي أو يكون المراد من مات منهم.
قال: وعدم إيمانهم بالقرآن إما راجع لعدم التصديق لكونه معجزا، أو لعدم التصديق لما تضمن من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فالأول عقلي، والثاني سمعي نظري.
قوله تعالى: (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ) .
القول دليل على أن البعض يطلق على النصف وأكثر منه.
قال: وعادتهم يقولون: عبر عنهم أولا بوصف الكفر (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ) ، والظلم أعم من الكفر لصدقه عليه، وعلى ما دونه من الماضي، قال: وحكمة ذلك أنه أسند لهم المخاصمة والمراجعة وهي مبادئ التعنت والاختلاف، فلذلك قرنها بمطلق الظلم لَا بأخصه.
فإن قلت: لم قال: (يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) ، بلفظ المضارع، ثم عقبه بقوله تعالى: (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) ، بالماضي؟ فالجواب: إما بأن الأول مضارع لتكرره منهم وتجدده المرة بعد المرة، فلما تكرر منهم المرة بعد المرة حينئذ أجابهم
أكابرهم بهذا الجواب، وإما أنه بدل وتفسير لقوله تعالى: (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ) ، وهو مضارع يفسره بالمضارع.
قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ) .
قال الزمخشري، وابن عطية: (دَابَّةُ الْأَرْضِ) هي الأرضة، قالا: وروي أن الجن أرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها في يوم وليلة مقدارا، فحسبوا ذلك النمو المقدر فوجدوه قد مات منذ سنة.