وبعد ذلك يعود الحق سبحانه إلى مناقشة المسألة مناقشة عقلية، فيقول:
{قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) }
أي قُلْ لهم يا محمد من يرزقكم من السماوات والأرض؟ لكن إذا كان محمد هو المستفهم منهم، فمَنْ يجيب؟ بالطبع هم لن يجيبوا لذلك أجاب الله قل الله فهذه حقيقة لا يستطيعون مجابهتها، ولو اعترفوا بها لقُلْنا لهم إذن لماذا لم تؤمنوا بالله وهو رازقكم؟ أيليق بكم أنْ تكفروا به وهو الرازق، وتؤمنوا بآلهة أخرى لا تنفعكم ولا تضركم؟ فاعترافهم بهذه الحقيقة يلزمهم الحجة، ويقيم عليهم الدليل على سَفَه تفكيرهم، وكأن الحق سبحانه أراد أنْ يُعفيهم من هذا الحرج، فأجاب بدلاً منهم. والحق سبحانه يسألهم هذا السؤال لأن الإجابة لن تكون إلا على وَفْق مراده سبحانه وتعالى، كما لو اشتريتَ مثلاً بدلة لشخص ما وفي موقف من المواقف أنكر جميلك، فتقول له مَنِ الذي اشترى لك هذه البدلة؟ أنت لا تسأل هذا السؤال إلا وأنتَ واثق أن الإجابة ستكون في صالحك، وأنه لا يستطيع الإنكار، فلو أنكر ستقول له تعال إلى التاجر الذي اشتريتها منه لنرى مَنِ الذي اشتراها، فأنت تملك إقامة الدليل عليه إنْ أنكر. وقوله سبحانه وتعالى {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} سبأ 24. الهدى هو الدلالة على الخير والطريق إليه، والضلال أن تضلَّ عن الخير والدلالة إليه، ومنه قوله تعالى
{وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى}