وقال الخطيب القزويني:
سورة سبأ
{أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ ... (8) }
وأنكر الجاحظ انحصار الخبر في القسمين، وزعم أنه ثلاثة أقسام: صادق، وكاذب، وغير صادق ولا كاذب؛ لأن الحكم إما مطابق للواقع مع اعتقاد المخبر له أو عدمه وإما غير مطابق مع الاعتقاد أو عدمه. فالأول أي: المطابق مع الاعتقاد هو الصادق. والثالث أي: غير المطابق مع الاعتقاد هو الكاذب، والثاني والرابع - أي: المطابق مع عدم الاعتقاد، وغير المطابق مع عدم الاعتقاد -
كل منهما ليس بصادق ولا كاذب. فالصدق عنده: مطابقة الحكم للواقع مع اعتقاده، والكذب: عدم مطابقته مع اعتقاده، وغيرهما ضربان: مطابقته مع عدم اعتقاده، وعدم مطابقته مع عدم اعتقاده، واحتج بقوله تعالى: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} [سورة سبأ: 8] فإنهم حصروا دعوى النبي - صلى الله علية وسلم - الرسالة في الافتراء والإخبار حال الجنون، بمعنى امتناع الخلو، وليس إخباره حال الجنون كذبا؛ لجعلهم الافتراء في مقابلته، ولا صدقا؛ لأنهم لم يعتقدوا صدقه؛ فثبت أن من الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب.
وأجيب عنه بأن الافتراء هو الكذب عن عمد؛ فهو نوع من الكذب؛ فلا يمتنع أن يكون الإخبار حال الجنون كذبا أيضا؛ لجواز أن يكون نوعا آخر من الكذب؛ وهو الكذب لا عن عمد، فيكون التقسيم للخبر الكاذب، لا للخبر مطلقا، والمعنى: أفترى أم لم يفتر؟ وعبر عن الثاني بقوله: {أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} ؛ لأن المجنون لا افتراء له.
{وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) }
وفي مجيء هذا اللفظ على الإبهام فائدة أخرى، وهي أنه يبعث المشركين على الفكر في حال أنفسهم وحال النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، وإذا فكّروا فيما هم عليه من إغارات بعضهم على بعض, وسبْي ذراريهم واستباحة أموالهم، وقطع الأرحام، وإتيان الفروج الحرام، وقتل النفوس التي حرم الله قتلها، وشرب الخمر التي تُذْهِب العقول، وتحسن ارتكاب الفواحش، وفكروا فيما النبي عليه السلام والمؤمنون عليه من صلة الأرحام، واجتناب الآثام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإطعام المساكين, وبر الوالدين، والمواظبة على عبادة الله تعالى , علمواأن النبي - عليه السلام - والمسلمين على هدى، وأنهم على الضلالة، فبعثهم ذلك على الإسلام، وهذه فائدة عظيمة.