{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى}
لما تقضى وعيد الذين يؤذون الرسول عليه الصلاة والسلام بالتكذيب ونحوه من
الأذى المنبعث عن كفرهم من المشركين والمنافقين من قوله: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة} [الأحزاب: 57] حذر المؤمنين مما يؤذي الرسول صلى الله عليه وسلم
بتنزيههم عن أن يكونوا مثل قوم نَسبوا إلى رسولهم ما هو أذى له وهم لا يعبأون بما في
ذلك من إغضابه الذي فيه غضب الله تعالى.
ولما كان كثير من الأذى قد يحصل عن غفلة
أصحابه عما يوجبه فيصدر عنهم من الأقوال ما تجيش به خواطرهم قبل التدبر فيما يحفّ
بذلك من الاحتمالات التي تقلعه وتنفيه ودون التأمل يترتب عليه من إخلال
بالواجبات.
وكذلك يصدر عنهم من الأعمال ما فيه ورطة لهم قبل التأمل في مغبة عملهم،
نبه الله المؤمنين كي لا يَقعُوا في مثل تلك العنجهية لأن مدارك العقلاء في التنبيه إلى
معاني الأشياء وملازماتها متفاوتة المقادير، فكانت حَرية بالإِيقاظ والتحذير.
وفائدة التشبيه
تشويه الحالة المشبَّهة لأن المؤمنين قد تقرر في نفوسهم قبْح ما أوذي به موسى عليه
السلام بما سبق من القرآن كقوله: {وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} [الصف: 5] الآية.
والذين آذوا موسى هم طوائف من قومه ولم يكن قصدهم أذاه ولكنهم أهملوا واجب
كمال الأدب والرعاية مع أعظم الناس بينهم.
وقد حكى الله عنهم ذلك إجالاً وتفصيلاً
بقوله: {وإذ قال موسى لقومه} الآية(فلم يكن هذا الأذى من قبيل التكذيب لأجل قوله:
{وقد تعلمون أني رسول الله إليكم} والاستفهام في قوله: {لم تؤذونني} إنكاري).
فكان توجيه الخطاب للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم مراعى فيه المشابهة بين الحالين في حصول الإِذاية.