56 - {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ أي: يعتنون بما فيه خيره وصلاح أمره، ويهتمون بإظهار شرفه، وتعظيم شأنه، وذلك من الله تعالى بالرحمة، ومن الملائكة بالدعاء والاستغفار، فقوله: {يُصَلُّونَ} محمول على عموم المجاز؛ إذ لا يجوز إرادة معنيي المشترك معًا، فإنه لا عموم للمشترك مطلقًا؛ أي: سواء كان بين المعاني تنافٍ أم لا.
قال القهستاني: الصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن الإنس والجن: القيام والركوع والسجود والدعاء ونحوها، ومن الطير والهوام: التسبيح، والصلاة: اسم مصدر من التصلية، وكلاهما مستعمل بخلاف الصلاة بمعنى أداء الأركان، فإن مصدرها لم يستعمل، فلا يقال: صليت تصليةً، بل يقال: صليت صلاة.
وقال بعضهم: الصلاة من الله تعالى بمعنى الرحمة لغير النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبمعنى التشريف بمزيد الكرامة للنبي، والرحمة عامة، والصلاة خاصة، كما دل العطف على التغاير في قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} ، وقال بعضهم: صلوات الله على غير النبي رحمة، وعلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثناء ومدحة، قولًا وتوفيق وتأييد فعلًا، وصلاة الملائكة على غير النبي - صلى الله عليه وسلم: استغفار، وعلى النبي: إظهار للفضيلة، والمدح قولًا، والنصرة والمعاونة فعلًا. وصلاة المؤمنين على غير النبي: دعاء، وعلى النبي: طلب الشفاعة قولًا، واتباع السنة فعلًا.
وقال بعضهم: صلوات الله على النبي - صلى الله عليه وسلم - بتبليغه إلى المقام المحمود، وهو مقام الشفاعة لأمته، وصلوات الملائكة: دعاؤهم له بؤيادة مرتبته، واستغفارهم لأمته، وصلوات الأمة: متابعتهم له، ومحبتهم إياه، والثناء عليه بالذكر الجميل.
وهذا التشريف الذي شرف الله به نبينا - صلى الله عليه وسلم - أتم من تشريف آدم عليه السلام بأمر الملائكة بالسجود له؛ لأنه لا يجوز أن يكون الله تعالى مع الملائكة في هذا التشريف لآدم، وقد أخبر تعالى عن نفسه بالصلاة على النبي، ثم عن الملائكة، وما أحسن قول بعضهم: