قَوْله تَعَالَى: {إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي حَقِيقَةِ الْعَرْضِ: وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمُشْكِلَيْنِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي ذِكْرِ الْأَمَانَةِ: وَفِيهَا اخْتِلَاطُ كَثِيرٍ مِنْ الْقَوْلِ، لُبَابُهُ فِي عَشْرَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ؛ قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ.
الثَّانِي: أَنَّهَا الْفَرَائِضُ؛ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهَا أَمَانَةُ الْفَرْجِ عِنْدَ الْمَرْأَةِ؛ قَالَهُ أُبَيٌّ.
الرَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ وَضَعَ الرَّحِمَ عِنْدَ آدَمَ أَمَانَةً.
الْخَامِسُ: أَنَّهَا الْخِلَافَةُ.
السَّادِسُ: أَنَّهَا الْجَنَابَةُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ؛ قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ.
السَّابِعُ: أَنَّهَا أَمَانَةُ آدَمَ قَابِيلَ عَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، فَقَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلَ.
الثَّامِنُ: أَنَّهَا وَدَائِعُ النَّاسِ.
التَّاسِعُ: أَنَّهَا الطَّاعَةُ.
الْعَاشِرُ: أَنَّهَا التَّوْحِيدُ.
فَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ، تَرْجِعُ إلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: التَّوْحِيدُ: فَإِنَّهُ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْعَبْدِ، وَخَفِيَ فِي الْقَلْبِ، لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ} .
ثَانِيهِمَا: قِسْمُ الْعَمَلِ: وَهُوَ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الشَّرِيعَةِ، وَكُلُّهَا أَمَانَةٌ تَخْتَصُّ بِتَأْكِيدِ الِاسْمِ فِيهَا.