قوله تعالى: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ)
أي: من هؤلاء المخير فيهن والواهبات له أنفسهن، ثم قال: (وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ) يريد
اللاتي هن في العصمة من شاء أمسك أو طلق (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ) أي: ذلك من وحينا إليك في شأنهن وفعلك فيه (أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ) بخطبهن منك (وَلَا يَحْزَنَّ) أي: التي عزلتها (وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ) ، أي: إذا علموا أن ذلك بأمرنا
ووحينا (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ) تعريض بفعل العدل (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا) بفعلكم
(حَلِيمًا) عن استقصاء حقه عندكم، وكان - صلوات الله وسلامه -
يعدل جهده، ثم يقول:"اللهم هذا فعلي فيما أملك ولا تؤاخذني بما لا أملك".
(فصل)
الإرجاء: التأخير، أرجأت الشيء: أخرته (أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ(111) .
أخِره إلى يوم معلوم بيننا وبينه، والضمير الذي في قوله:
(تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) واقع على جملة ما
شمله الخطاب من ضروب المحللات له من النساء، والإرجاء في اللواتي شملهن
حكم العصمة مع محافظته على سنن العدل بينهن، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"فلا تؤاخذني بما لا"
أملك"غير واقع حكمه على هذا الضرب منهن، وكذلك حكم الإرجاء ولفظه في"
بنات العم وبنات العمات وبنات الأخوال والخالات والمهاجرات لفظ الترك أو ما
كأن يكون بدلاً منه أولى من لفظ الإيواء.
وأمَّا لفظ الإرجاء فيهن فما له من مدخل ولا مساغ؛ إذ هو التأخير والتأخير
إلى متى إلا على معنى قول القائل: تأخر عني وأخِّر الشيء عني؛ أي: باعده عني،
وذلك تسامح في النظر لغير ضرورة وتدبر؛ أي القرآن تذهب الفوائد منه مع
التسامح.
قال الله عز من قائل: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو
الْأَلْبَابِ (29) . فما أرى الإرجاء واقعًا إلا على الواهبات له أنفسهن، وما أرى