{إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) }
كلام جامع تحريضاً وتحذيراً ومنبئ عن وعد ووعيد، فإن ما قبله قد حوى أمراً ونهياً، وإذ كان الامتثال متفاوتاً في الظاهر والباطن وبخاصة في النوايا والمضمرات كان المقام مناسباً لتنبيههم وتذكيرهم بأن الله مطلع على كل حال من أحوالهم في ذلك وعلى كل شيء، فالمراد من {شيئاً} الأول شيء مما يبدونه أو يخفونه وهو يعم كل ما يبدو وما يخفى لأن النكرة في سياق الشرط تعم.
والجملة تذييل لما اشتملت عليه من العموم في قوله: {بكل شيء} .
وإظهار لفظ {شيء} هنا دون إضمار لأن الإِضمار لا يستقيم لأن الشيء المذكور ثانياً هو غير المذكور أولاً، إذ المراد بالثاني جميع الموجودات، والمراد بالأول خصوص أحوال الناس الظاهرة والباطنة، فالله عليم بكل كائن ومن جملة ذلك ما يبدونه ويخفونه من أحوالهم.
{لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ}
تخصيص من عموم الأمر بالحجاب الذي اقتضاه قوله: {فاسألوهن من وراء حجاب} [الأحزاب: 53] .
وإنما رفع الجناح عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم تنبيهاً على أنهن مأمورات بالحجاب كما أمر رجال المسلمين بذلك معهن فكان المعنى: لا جناح عليهن ولا عليكم، كما أن معنى {فاسألوهن من وراء حجاب} أنهن أيضاً يُجِبن من وراء حجاب كما تقدمت الإِشارة إليه يقوله: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} [الأحزاب: 53] .
والظرفية المفادة من حرف {في} مجازية شائعة في مثله، يقال: لا جناح عليك في كذا، فهو كالحقيقة فلا تلاحظ فيه الاستعارة، والمجرور مقدر فيه مضاف تقديره: في رُؤية آبائهن إيَّاهُن، وإنما رجح جانبهن هنا لأنه في معنى الإِذن، لأن الرجال مأمورون بالاستئذان كما اقتضته آية سورة النور، والإِذن يصدر منهن فلذلك رُجّح هنا جانبهن فأضيف الحكم إليهن.