الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ تُظْهِرُوا بِأَلْسِنَتِكُمْ شَيْئًا أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ مُرَاقَبَةِ النِّسَاءِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ أَوْ أَذًى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلٍ: لَأَتَزَوَّجَنَّ زَوْجَتَهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ، {أَوْ تُخْفُوهُ}
يَقُولُ: أَوْ تُخْفُوا ذَلِكَ فِي أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا، يَقُولُ: فَإِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ ذَلِكَ وَبِغَيْرِهِ مِنْ أُمُورِكُمْ وَأُمُورِ غَيْرِكُمْ، عَلِيمٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَهُوَ يُجَازِيكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ ... (55) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا حَرَجَ عَلَى أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا إِثْمَ
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي وَضَعَ عَنْهُنَّ الْجُنَاحَ فِي هَؤُلَاءِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَضَعَ عَنْهُنَّ الْجُنَاحَ فِي وَضْعِ جَلَابِيبِهِنَّ عِنْدَهُمْ.
وَقَالَ آخَرُونَ: وَضَعَ عَنْهُنَّ الْجُنَاحَ فِيهِنَّ فِي تَرْكِ الِاحْتِجَابِ
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: ذَلِكَ وَضْعُ الْجُنَاح عَنْهُنَّ فِي هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يَحْتَجِبْنَ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عُقَيْبُ آيَةِ الْحِجَابِ، وَبَعْدَ قَوْلِ اللَّهِ: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ: {لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ} اسْتِثْنَاءً مِنْ جُمْلَةِ الَّذِينَ أُمِرُوا بِسُؤَالِهِنَّ الْمَتَاعَ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ إِذَا سَأَلُوهُنَّ ذَلِكَ أَوْلَى وَأَشْبَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى.