الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ ... (51) }
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِقَوْلِهِ: تُرْجِي: تُؤَخِّرُ، وَبِقَوْلِهِ: تُؤْوِي: تَضُمُّ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} قَالَ: «تَعْزِلُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ مِنْ أَزْوَاجِكَ مَنْ تَشَاءُ» {وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} قَالَ: «تَرُدُّهَا إِلَيْكَ»
عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} قَالَ: «فَجَعَلَهُ اللَّهُ فِي حِلٍّ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَدَعَ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُنَّ، وَيَأْتِي مَنْ يَشَاءُ مِنْهُنَّ بِغَيْرِ قَسْمٍ، وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ يَقْسِمُ»
عَنْ أَبِي رَزِينٍ:"وَكَانَ مِمَّنْ آوَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، وَزَيْنَبَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ، فَكَانَ قَسْمُهُ مِنْ نَفْسِهِ لَهُنَّ سِوَى قِسْمَةً؛ وَكَانَ مِمَّنْ أَرْجَى: سَوْدَةَ، وَجُوَيْرِيَةَ، وَصَفِيَّةَ، وَأُمَّ حَبِيبَةَ، وَمَيْمُونَةَ، فَكَانَ يَقْسِمُ لَهُنَّ مَا شَاءَ، وَكَانَ أَرَادَ أَنْ يُفَارِقَهُنَّ، فَقُلْنَ: اقْسِمْ لَنَا مِنْ نَفْسِكِ مَا شِئْتَ، وَدَعْنَا نَكُونُ عَلَى حَالِنَا" [1]
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: تُطَلَّقُ وَتُخْلِي سَبِيلَ مَنْ شِئْتَ مِنْ نِسَائِكَ، وَتُمْسِكُ مَنْ شِئْتَ مِنْهُنَّ فَلَا تُطَلَّقُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: تَتْرُكُ نِكَاحَ مَنْ شِئْتَ، وَتُنْكَحُ مَنْ شِئْتَ مِنْ نِسَاءِ أُمَّتِكَ.
عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ، قَالَ: «كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ امْرَأَةً لَمْ يَكُنْ لِرَجُلٍ أَنْ يَخْطَبُهَا حَتَّى يَتَزَوَّجَهَا أَوْ يَتْرُكَهَا»
[1] قَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا عَلِمْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْجَأَ أَحَدًا مِنْ أَزْوَاجِهِ، بَلْ آوَاهُنَّ كُلَّهُنَّ. اهـ (تفسير القرطبي. 14/ 215) .
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّ الْقَسْمَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَعْدِلُ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فِي الْقَسْمِ، وَيَقُولُ: «هَذِهِ قُدْرَتِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ يَعْنِي قَلْبَهُ» لِإِيثَارِ عَائِشَةَ دُونَ أَنْ يَكُونَ يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ فِعْلِهِ؟
قُلْنَا: ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَضْلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَعْطَاهُ سُقُوطَهُ؛ وَكَانَ هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْتَزِمُهُ تَطَيُّبًا لِنُفُوسِهِنَّ، وَصَوْنًا لَهُنَّ عَنْ أَقْوَالِ الْغَيْرَةِ الَّتِي رُبَّمَا تَرَقَّتْ إلَى مَا لَا يَنْبَغِي. اهـ (أحكام القرآن، لابن العربي. 3/ 605) .