وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ حِينَ غَارَ بَعْضُهُنَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَطَلَبَ بَعْضُهُنَّ مِنَ النَّفَقَةِ زِيَادَةً عَلَى الَّذِي كَانَ يُعْطِيَهَا، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرْهُنَّ بَيْنَ الدَّارِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَنْ يُخَلِّي سَبِيلَ مَنَ اخْتَارَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا، وَيُمْسِكُ مَنَ اخْتَارَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ فَلَمَّا اخْتَرْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قِيلَ لَهُنَّ: أَقْرَرْنَ الْآنَ عَلَى الرِّضَا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، قَسَمَ لَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوَلَمْ يَقْسِمْ، أَوْ قَسَمَ لِبَعْضِكُنَّ، وَلَمْ يَقْسِمْ لِبَعْضِكُنَّ، وَفَضَّلَ بَعْضَكُنَّ عَلَى بَعْضٍ فِي النَّفَقَةِ، أَوَلَمْ يُفَضِّلْ، سَوَّى بَيْنَكُنَّ، أَوَلَمْ يُسَوِّ، فَإِنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَيْسَ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا ذَكَرَ مَعَ مَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ، إِلَّا امْرَأَةً مِنْهُنَّ أَرَادَ طَلَاقَهَا، فَرَضِيَتْ بِتَرْكِ الْقَسْمِ لَهَا.
عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تُعَيِّرُ النِّسَاءَ اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَتْ:"أَمَا تَسْتَحْيِي امْرَأَةُ أَنْ تَعْرِضَ نَفْسَهَا بِغَيْرِ صَدَاقٍ، فَنَزَلَتْ، أَوْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ} فَقُلْتُ: «إِنِّي لَأَرَى رَبَّكَ يُسَارِعُ لَكَ فِي هَوَاكَ» "
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ جَعَلَ لِنَبِيِّهِ أَنْ يُرْجِي مِنَ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي أَحَلَّهُنَّ لَهُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُؤْوِي إِلَيْهِ مِنْهُنَّ مَنْ يَشَاءُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُرْ مَعْنَى الْإِرْجَاءِ وَالْإِيوَاءِ عَلَى الْمَنْكُوحَاتِ اللَّوَاتِي كُنَّ فِي حِبَالِهِ، عِنْدَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ دُونَ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ يَسْتَحْدِثُ إِيوَاؤُهَا أَوْ إِرْجَاؤُهَا مِنْهُنَّ إِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ: تُؤَخِّرُ مَنْ تَشَاءُ مِمَّنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ، وَأَحْلَلْتُ لَكَ نِكَاحَهَا، فَلَا تَقْبَلْهَا وَلَا تَنْكِحْهَا، أَوْ مِمَّنْ هُنَّ فِي حِبَالِكَ، فَلَا تَقْرَبْهَا، وَتَضُمُ إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ مِمَّنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ، أَوْ أَرَدْتَ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي أَحْلَلْتُ لَكَ نِكَاحَهُنَّ، فَتَقْبَلُهَا أَوْ تَنْكِحُهَا، وَمِمَّنْ هِيَ فِي حِبَالِكَ فَتُجَامِعْهَا إِذَا شِئْتَ، وَتَتْرُكَهَا إِذَا شِئْتَ بِغَيْرِ قَسْمٍ.