(فصل في الرد على الملحدين)
قال الباقلاني:
وأمّا تعلّقهم بقوله تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ} وأنّه نقض ذلك قوله: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ}
لأنّ هذا تصريح بأنّه خشي النّاس ولم يخش الله أو كاد أن لا يخشاه، وهو نقيض الخبر الأوّل، فإنّه ممّا لا تعلّق لهم فيه من وجوه:
أحدها: أنّ في النّاس من يحمل هذا على أنّ الله سبحانه حكى قول رسوله لزيد بن حارثة، وأنّه كان يعظه بمثل هذا الكلام، وبقوله: {وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} كأنّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال لزيد: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} وقال له: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ} وليس هذا بعتاب للنبي صلّى الله عليه ومثل هذا التأويل سائغ غير بعيد.
والوجه الآخر: أنّه قد كان أوحي إلى النبي صلّى الله عليه أنّ امرأة زيد تكون زوجة لك فكتم هذا ولم يخبر به زيدا ولا غيره؛ مخافة أن يتسرع زيد إلى طلاقها إذا علم رغبة الرسول فيها، وأن يقول عند ذلك المنافقون أمره بطلاقها، وفرّق بينه وبينها، ثم تزوّجها، ويجعلون ذلك وصمة ومطعنا وذريعة إلى الغميزة عليه والقدح في فضله، فيجب لذلك الإخبار بما أنزل الله عليه فأخبر به خشية ما ذكرناه فقال: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ} أي: لا تخف في إظهار ذلك، فإنّهم لن يضروك بشيء خفته.
وقوله: {وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ} أمر له بأن يخشى الله وبيّنه على أنّه أحقّ وأولى أن يخشى، وذلك لا يدل على مخالفة المأمور إلى ضدّه وارتكابه لتركه أو العزم على ذلك، فبطل التعلّق بهذا الموضع.
ويحتمل أيضا: أن يكون كره إظهار ذلك لئلا يقول المنافقون: قد حرّم الله على أمّته حلائل أبنائهم، وزيد ابنه، وقد تبنّاه، ثم تزوّج بحليلته، فقال: {ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ} أي ليس زيد ابنه بنوة تمنع من تزويج امرأته، فقال: قل لهم هذا ولا تخشاهم، فإنّ الله أحق أن تخشاه، وليس ذلك بركوب لمأثم.