أتبع ذلك قوله - عز من قائل: (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ...(19) .
يريد بنصرتهم وبأنفسهم كما قال:(هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى
يَنْفَضُّوا) (فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ) اضطروا إلى المعونة
لهم بأنفسكم؛ لأنهم كما قال فيهم العليم الخبير: (لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ)
فهم الخائفون لهؤلاء إن ظفروا ولهؤلاء متى ظهروا، يحسبون كل
صيحة عليهم.
يقول اكله تعالى:(تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ
الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ)
(فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ) يقول: إذا ذهبت ضرورتهم عادوا إلى الشح عليكم بولايتهم ومنافعهم (سَلَقُوكُمْ) أي: أسمعوكم ما تكرهون، المسلاق من الرجال الفصيح المعرب، واللسان المسلق الحديد الذرب؛
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) .
أتبع ذلك قوله: (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ) يريد، وهم أعلم: إذا
حضرت الغنائم شحوا عليكم بها، وحاجوكم في استقصاء المقاسمة على جبنهم في
القتال وشدة هلعهم.
أتبع ذلك قوله: (يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ...(20) . يقول لشدة
خوفهم وعظيم جزعهم، وقد ذهب الأحزاب وهم يظنون أنهم لم يذهبوا ثُمَّ قال:
(وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ)
وإن كانوا معكم فقتالهم قليل كما قال - عز من قائل:(لَوْ خَرَجُوا
فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ).
أتبع ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ
يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) . المقصود الأول بهذا ما
أنزلت السورة من أجله، أنه وعظ لهم في خوضهم في نكاحه - صلوات الله