(فصل)
قال أبو القاسم المرتضى:
إن سأل سائل فقال ما تأويل قوله تعالى (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا(10)
وكيف يجوز أن تبلغ القلوب الحناجر مع كونهم أحياء ومعلوم أن القلب إذا زال عن موضعه المخلوق فيه مات صاحبه وعن أي شيء زاغت الأبصار وبأي شيء تعلقت ظنونهم بالله تعالى .. ؟
الجواب قيل له في هذه الآية وجوه ..
منها أن يكون المراد بذلك انهم جبنوا وفزع أكثرهم لما أشرف المشكرون عليهم وخافوا من بوائقهم وبوادرهم ومن شأن الجبان عند العرب إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته ولهذا يقولون للجبان انتفخ سجره أي رئته وليس يمتنع أن تكون الرئة إذا انتفخت رفعت القلب ونهضت به إلى نحو الحنجرة وهذا التأويل قد ذكره الفراء وغيره ورواه الكلبي عن أبي صالح ابن عباس ..
ومنها قيل إن القلوب توصف بالوجيب والاضطراب في أحوال الجزع والهلع ..
قال الشاعر:
كأن قلوب أدلائها ... معلقة بقرون الظباء
وقال امرؤ القيس:
ولا مثل يوم في قدران ظلته ... كأني وأصحابي علي قرن أعفرا
ويروى في قدار ظللته أراد المبالغة في وصف نفسه وأصحابه بالقلق والاضطراب ومفارقة السكون والاستقرار وإنما خص الظبي لأن قرنه أكثر تحركا ونشاطه واضطرابا لنشاطه ومرحه وسرعته ..
وقد قال بعض الناس إن أمرأ القيس لم يصف شدة أصابته في هذا البيت فيليق قوله على قرن أعفرا بالتأويل المذكور بل وصف أماكن كان فيها مسرورا متنعما ألا ترى إلى قوله قبل هذا البيت بلا فصل ألا رب يوم صالح قد شهدته بناذق ذات التل من فوق طرطرا فيكون معنى قوله على قرن أعفرا على هذا الوجه إنه كان على مكان عال مشرف شبهه لارتفاعه وطوله بقرن الظبي وهذا القول لابن الأعرابي والأول للأصمعي ..
فأما قول الآخر ألا قل خير الشان كيف تغيرا فأصبح يرمي الناس عن قرن أعفرا فلا يشتمل إلا الشدة والحال المذموم ويجوز أن يريد إن الناس فيه غير مطمئنين بل هم منزعجون قلقون كأنهم على قرن ظبي ويحتمل إنه يطعنهم بقرن ظبي كقولك رماه بداهية ويكون معنى عن ههنا معنى الباء فقال عن قرن أعفرا وهو يريد بقرن أعفرا وقد ذكر في هذا البيت الوجهان معا فيكون معنى الآية على هذا التأويل إن القلوب لما اتصل وجيبها واضطربت بلغت الحناجر لشدة القلق ..