[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(فصل)
من اللطائف الرائقة والنكات الفائقة في السورة الكريمة:
قال الإمام فخر الدين الرازي:
(يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا(1)
وفي تفسير الآية مسائل:
الْأُولَى: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْمُنَادَى بِقَوْلِهِ يَا رَجُلُ وَيَاأَيُّهَا الرَّجُلُ، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ مَا قِيلَ وَنَحْنُ نَقُولُ قَوْلُ الْقَائِلِ يَا رَجُلُ يَدُلُّ عَلَى النِّدَاءِ
وَقَوْلُهُ يَاأَيُّهَا الرَّجُلُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا وَيُنْبِئُ عَنْ خَطَرِ خَطْبِ الْمُنَادَى لَهُ أَوْ غَفْلَةِ الْمُنَادَى
أَمَّا الثَّانِي: فَمَذْكُورٌ وَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ قَوْلَهُ: (يَا أَيُّ) جَعَلَ الْمُنَادَى غَيْرَ مَعْلُومٍ أَوَّلًا فَيَكُونُ كُلُّ سَامِعٍ مُتَطَلِّعًا إِلَى الْمُنَادَى فَإِذَا خَصَّ وَاحِدًا كَانَ فِي ذَلِكَ إِنْبَاءُ الْكُلِّ لِتَطَلُّعِهِمْ إِلَيْهِ، وَإِذَا قَالَ يَا زَيْدُ أَوْ يَا رَجُلُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى جَانِبِ الْمُنَادَى إِلَّا الْمَذْكُورُ إِذَا عُلِمَ هَذَا فَنَقُولُ ياأَيُّهَا لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى غَفْلَةِ النَّبِيِّ لِأَنَّ قَوْلَهُ النَّبِيُّ يُنَافِي الْغَفْلَةَ لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَبِيرٌ فَلَا يَكُونُ غَافِلًا فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى خَطَرِ الْخَطْبِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ لَا يَكُونُ إِلَّا عِنْدَ عَدَمِ اشْتِغَالِ الْمَأْمُورِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ إِذْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ لِلْجَالِسِ اجْلِسْ وَلِلسَّاكِتِ اسْكُتْ وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مُتَّقِيًا فَمَا الْوَجْهُ فِيهِ؟
نَقُولُ فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَنْقُولٌ وَهُوَ أَنَّهُ أُمِرَ بِالْمُدَاوَمَةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ لِلْجَالِسِ اجْلِسْ هاهنا إِلَى أَنْ أَجِيئَكَ، وَيَقُولُ الْقَائِلُ لِلسَّاكِتِ قَدْ أَصَبْتَ فَاسْكُتْ تَسْلَمْ، أَيْ دُمْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ.