(فصل)
قال الحَلِيمي:
إن سأل سائل عن يوم القيامة: هل يكون له آخر؟
قيل: قد يسمي الله هذا اليوم يوم الدين، وهو الحساب والجزاء، فإذا لم يكن الجزاء منقضياً لم يكن يومه منقضياً.
فإن قيل: فما معنى قول الله عز وجل: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} ؟
قيل: لما أجمع الله المسلمين على ما ذكرت لم يجز أن يكون ليوم الدين مقداراً إلا أن يقول قائل: إن له أياماً كل يوم منها خمسون ألف سنة من أيام الدنيا، فيكون ادعى ما لا يعرف يوم القيامة، ولا يقوم له عليه دليل.
وإن احتاج إلى بيان ما يقع به الفصل بين الأيام لا يمكن أن يقول: إن لها لياليا، وإن أراد أن يقول غيرها لم يجده.
وإذا كان الأمر على ما وصفت، بأن هذا التقدير إنما هو لعروج الملائكة والروح من الأرض إلى الله جل ثناؤه لأن مفتتح هذه الآية: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} .
{فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} فيحتمل أن يكون هذا المعنى: أنها تبارك من السماء إلى الأرض ثم تعرج من الأرض إلى السماء الدنيا من يومها، فتنقطع ما لو احتاج الناس إلى قطعة من المسافة لم يقطعوها إلا في ألف سنة مما تعدون، وينزل من عند العرش إلى الأرض ثم يعرج منها إلى السماء من يومها.
ولو احتاج الناس إلى قطع هذا القدر من المسافة لم يقطعوها إلا في خمسين ألف سنة مما تعدون، وليس هذا من تقدير يوم القيامة يسأل، وهو غير متصل بما قبله من هذه السورة أو بعده، ولكنه من صلة قوله: {مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} .
فإنه لما وصف نفسه بذي المعارج بين أن هذه المعارج لملائكتة، فقال: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} .
أي إلى حيث جعله مضافاً لهم حول العرش في يوم كان مقداره ألف سنة، ثم قال: {فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً} .
فعاد إلى ذكر العذاب الذي وصفه في أول السورة بأنه واقع وليس له دافع فقال: إنهم - يعني الكافرين - يرونه بعيداً من العذاب، وتراه قريباً، ولم يرد به أنهم يرون اليوم الذي تقدم ذكره بعيد، لأنهم لم يكونوا يثبتونه أصلاً، فكيف يستبعدون مالا يعرفونه ويجحدون كونه.