ومن لطائف ونكات تفسير حدائق الروح والريحان:
{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) }
فإن قلت: قال هنا: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} وفي سورة المعارج: {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} فبين الآيتين معارضة من حيث العدد، فما وجه الجمع بينهما؟
قلت: يجمع بينما بأن المراد من ذكر الألف، وذكر الخمسين: التنبيه على طوله، والتخويف منه، لا العدد المذكور بخصوصه.
وقيل: يجمع بينهما: بأن موقف القيامة خمسون موقفًا، كل موقف ألف سنة، فهذه الآية بينت أحد المواقف، وآية {سأل} بينت المواقف كلها، وهذا القول هو الأقرب في الجمع، وقيل: يجمع بيهما: بأن العذاب مختلف، فيعذب الكافر بجنس من العذاب ألف سنة، ثم ينتقل إلى جنس آخر مدته خمسون ألف سنة.
وقيل معنى الآية: أي يدبر أمر الدنيا من السماء على عباده، ويصعد إليه آثار الأمر، وهي أعمالهم الصالحة، الصادرة على موافقة ذلك الأمر، فإن نزول الأمر وعروج العمل في مسافة ألف سنة مما تعدون عليهم؛ أي: على غير الملائكة، فإن بين السماء والأرض مسيرة خمس مائة سنة، فينزل في مسيرة خمس
مائة سنة، ويعرج في مسيرة خمس مائة سنة، فهو مقدار ألف سنة.
والمراد بالألف على القول الأول الأرجح: الزمن المتطاول، وليس المقصود منه حقيقة العدد، إذ هو عند العرب منتهى المراتب العددية، وأقصى غاياتها, وليس هناك مرتبة فوقه، إلا ما يتفرع منه من أعداد مراتبها.
قال القرطبي: المعنى: إن الله تعالى جعله في صعوبته على الكفار كخمسين ألف سنة، قاله ابن عباس، والعرب تصف أيام المكروه بالطول، وأيام السرور بالقصر.