قَوْلُهُ: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا شَكَّ فِيهِ {مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
يَقُولُ: مَنْ رَبِّ الثَّقَلَيْنِ: الْجِنِّ وَالْإِنْسِ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَيْسَ بِشَعْرٍ وَلَا سَجْعِ كَاهِنٍ، وَلَا هُوَ مِمَّا تَخَرَّصَهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا كَذَّبَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بَكْرَةً وَأَصِيلًا} ، وَقَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا: {إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ}
وَقَوْلُهُ: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ: اخْتَلَقَ هَذَا الْكِتَابَ مُحَمَّدٌ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَتَكَذَّبَهُ؛ وَ «أَمْ» هَذِهِ تَقْرِيرٌ، وَقَدْ بَيَّنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا اعْتَرَضَتْ بِالِاسْتِفْهَامِ فِي أَضْعَافِ كَلَامٍ قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهُ أَنْ يَسْتَفْهِمَ بِـ: أَمْ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: وَيَقُولُونَ.
وَقَالَ: أَمْ بِمَعْنَى الْوَاوِ، بِمَعْنَى: بَلْ، فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ، ثُمَّ أَكْذَبَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَقَالَ: مَا هُوَ كَمَا تَزْعُمُونَ وَتَقُولُونَ، مِنْ أَنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَاهُ، بَلْ هُوَ الْحَقُّ وَالصِّدْقُ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ، أَنْزَلَهُ إِلَيْكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا بَأْسَ اللَّهِ وَسَطْوَتَهُ، أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِهِ {مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ}
يَقُولُ: لَمْ يَأْتِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَرْسَلَكَ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ قَوْمُهُ مِنْ قُرَيْشٍ، نَذِيرٌ يُنْذِرُهُمْ بَأْسَ اللَّهِ عَلَى كُفْرِهِمْ قَبْلَكَ.
وَقَوْلُهُ: {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}
يَقُولُ: لِيَتَبَيَّنُوا سَبِيلَ الْحَقِّ فَيَعْرِفُوهُ وَيُؤْمِنُوا بِهِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 18/}