ومن لطائف ونكات حاشية الصاوي على الجلالين:
{قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}
قوله: {قُلْ} أي للكفار، وخصهم بالذكر لوجود التشنيع بعد ذلك.
قوله: {يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ} أسند التوفي في هذه الآية لملك الموت، وفي آية الأنعام للرسل، وفي الزمر لله تعالى، ولا منافاة بينهما، فما هنا محمول على مباشرة أخذها حتى تصل للحلقوم، وما في الأنعام محمول على معالجة أعوان عزرائيل لمن أمر بقبض روحه، فإن المباشر لإخراجها من الظفر إلى الحلقوم أعوانه، وما في الزمر محمول على الحقيقة، فإن المتوفِّي حقيقة هو الله تعالى، روي أن الدنيا جعلت لملك الموت مثل راحة اليد، فيأخذ منها من شاء أخذه من غير مشقة، فهو يقبض أرواح الخلق من مشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وروي أن خطوته ما بين المشرق والمغرب، وروي أنه جعلت له الأرض مثل الطشت يتناول منه حيث يشاء، وقيل إنه على معراج بين السماء والأرض، وقيل إن له حربة تبلغ ما بين المشرق، وهو يتصفح وجوه الناس، فما من أهل بيت إلا وملك الموت يتصفحهم في كل يوم مرتين، فإذا رأى إنساناً قد انقضى أجله، ضرب رأسه بتلك الحربة وقال له: الآن ينزل بك عسكر الموت.
{إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْ سُجَّداً وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ}
قوله: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا} إلخ، هذا تسلية له صلى الله عليه وسلم على بقاء من كفر على كفره، كأن الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم، لا تحزن فإن أهل الإيمان مجبولون على الاتعاظ بالقرآن، وأهل الكفر مجبولون على عدم الاتعاظ به، فالخلق فريقان في علم الله.
قوله: (القرآن) استُشكل ظاهر تلك الآية، بأنه يقتضي مدح كل من سمع القرآن واتعظ به، ويسجد له وإن لم يكن له موضع سجود؟
وأجيب: بأن السنة بينت مواضع السجود في القرآن، فمدح المتعظين بالقرآن، في كل آية الساجدين في مواضع السجود.
قوله: {خَرُّواْ سُجَّداً} أي على وجوههم تعظيماً لآياته وامتثالاً لأمره، وخص السجود بالذكر، لأنه غاية الذل والخضوع، وهو لا يكون إلا الله، وفعله لغيره كفر، لأنه روح الصلاة وأعظم أركانها، ولأنه يقرب العبد من الله تعالى لما في الحديث:"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"