الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْفِقْهَ فِي الدِّينِ، وَالْعَقْلَ، وَالْإِصَابَةَ فِي الْقَوْلِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ:"الْحِكْمَةُ: الصَّوَابُ"
وقَالَ: «كَانَ لُقْمَانُ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا»
وقَالَ: «كَانَ لُقْمَانُ الْحَكِيمُ عَبْدًا حَبَشِيًّا، غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ، مُصْفَحَ الْقَدَمَيْنِ، قَاضِيًا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ»
عَنْ خَالِدٍ الرَّبْعِيِّ، قَالَ:"كَانَ لُقْمَانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجَّارًا، فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: اذْبَحْ لَنَا هَذِهِ الشَّاةَ، فَذَبَحَهَا. قَالَ: أَخْرِجْ أَطْيَبَ مُضْغَتَيْنِ فِيهَا، فَأَخْرَجَ اللِّسَانَ وَالْقَلْبَ. ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: اذْبَحْ لَنَا هَذِهِ الشَّاةَ، فَذَبَحَهَا. فَقَالَ: أَخْرِجْ أَخْبَثَ مُضْغَتَيْنِ فِيهَا، فَأَخْرَجَ اللِّسَانَ وَالْقَلْبَ، فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: أَمَرْتُكَ أَنْ تُخْرِجَ أَطْيَبَ مُضْغَتَيْنِ فِيهَا فَأَخْرَجْتَهُمَا، وَأَمَرْتُكَ أَنْ تُخْرِجَ أَخْبَثَ مُضْغَتَيْنِ فِيهَا فَأَخْرَجْتَهُمَا فَقَالَ لَهُ لُقْمَانُ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ أَطْيَبُ مِنْهُمَا إِذَا طَابَا، وَلَا أَخْبَثُ مِنْهُمَا إِذَا خَبَثَا"
عَنْ مُجَاهِدٍ،" {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} قَالَ: الْقُرْآنَ" [1]
وقَالَ:"الْحِكْمَةُ: الْأَمَانَةُ".
وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ نَبِيًّا.
وَقَوْلُهُ: {أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ، أَنِ احْمِدِ اللَّهَ عَلَى مَا آتَاكَ مِنْ فَضْلِهِ؛ وَجَعَلَ قَوْلَهُ {أَنِ اشْكُرْ} تَرْجَمَةً عَنِ الْحِكْمَةِ، لِأَنَّ مِنَ الْحِكْمَةِ الَّتِي كَانَ أُوتِيهَا، كَانَ شُكْرُهُ اللَّهَ عَلَى مَا آتَاهُ.
وَقَوْلُهُ: {وَمَنَ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ}
يَقُولُ: وَمَنْ يَشْكُرِ اللَّهَ عَلَى نِعَمِهِ عِنْدَهُ، فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ يُجْزِلُ لَهُ عَلَى شُكْرِهِ إِيَّاهُ الثَّوَابَ، وَيُنْقِذُهُ بِهِ مِنَ الْهَلَكَةِ.
{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}
يَقُولُ: وَمَنْ كَفَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ، إِلَى نَفْسِهِ أَسَاءَ، لِأَنَّ اللَّهَ مُعَاقِبُهُ عَلَى كُفْرَانِهِ إِيَّاهُ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ شُكْرِهِ إِيَّاهُ عَلَى نِعَمِهِ، لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَيْهِ، لِأَنَّ شُكْرَهُ إِيَّاهُ لَا يَزِيدُ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يُنْقِصُ كُفْرَانُهُ إِيَّاهُ مِنْ مِلْكِهِ. وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ {حَمِيدٌ} مَحْمُودٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، لَهُ الْحَمْدُ عَلَى نِعَمِهِ، كَفَرَ الْعَبْدُ نِعْمَتَهُ أَوْ شَكَرَهُ عَلَيْهَا؛ وَهُوَ مَصْرُوفٌ مِنْ مَفْعُولٍ إِلَى فَعِيلٍ.
[1] كيف يعطاه قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) ؟؟!!!