[من روائع الأبحاث]
(فصل: فِي التفسير الموضوعي للسورة كاملة)
قال الشيخ محمد الغزالي:
بدأت سورة لقمان بذكر المحسنين والأجزية المعدة لهم، ثم ذكرت المجرمين وما يشغبون به على الإسلام"ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين". والتحقيق أن المقصود به النضر بن الحارث، وكان يشترى كتبا فيها أخبار ملوك الفرس ويقض منها على قريش فِي أسمارها ومجالسها، ويقول: هذا خير مما يتلوه عليكم محمد! ولو قص الرجل فصول"ألف ليلة ...."كلها ما فعل شيئا غير اللغو واللهو! ويرى بعض المفسرين أن الآية نازلة فِي الغناء. وما كان قبيحا من الغناء فهو مذموم، وكل حديث يصرف عن الحق ويشغل عن مطالبه فهو باطل. وقد أكدت الآيات جزاء المحسنين مرة أخرى"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم * خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم". وذكرت الخالق الكبير بما هو أهل له من مجد وثناء، وتساءلت عن الشركاء المزعومين: من هم؟ وأين ما خلقوا؟ إن هذيان المشركين يشبه لغط المحموم لا وزن له ولا رأى فيه! وقد ساقت السورة هذه المعاني كلها بأسلوب آخر فِي وسطها بدءا من قوله تعالى:"ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور". وكما وعدت المحسنين بالخير توعدت المجرمين بالشر:"ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا ..". ثم أطالت الحديث بعد ذلك عن عظمة الله الذي أخلص المحسنون له، فبينت أن كلماته فِي تصريف شئون العباد لا تنتهى. إنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض خلقا ورزقا وإحياء وإماتة ورفعا وخفضا. والأمر يتصل بخمسة مليارات من الخلق، وآلاف لأضعاف من الحيوان والنبات