[من روائع الأبحاث القيمة والنفيسة]
(فصل)
من اللطائف الرائقة والنكات الفائقة في السورة الكريمة:
قال الإمام فخر الدين الرازي:
(هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ(3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)
وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ (ذلِكَ الْكِتابُ) وَلَمْ يَقُلِ (الْحَكِيمُ) وَهَاهُنَا قَالَ (الْحَكِيمِ) فَلَمَّا زَادَ ذِكْرَ وَصْفِ الْكِتَابِ زَادَ ذِكْرَ أَمْرٍ فِي أَحْوَالِهِ فَقَالَ: (هُدىً وَرَحْمَةً) وَقَالَ هُنَاكَ (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) فَقَوْلُهُ:
(هُدىً) فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ: (الْكِتابِ) وَقَوْلُهُ: (وَرَحْمَةً) فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ: (الْحَكِيمِ) وَوَصْفُ الْكِتَابِ بِالْحَكِيمِ عَلَى مَعْنَى ذِي الْحِكْمَةِ كَقوله تَعَالَى: (فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ) [الْحَاقَّةِ: 21] أَيْ ذَاتِ رِضًا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ هُنَاكَ (لِلْمُتَّقِينَ) وَقَالَ هَاهُنَا (لِلْمُحْسِنِينَ) لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ هُدًى وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ قَالَ: (لِلْمُتَّقِينَ) أَيْ يَهْتَدِي بِهِ مَنْ يَتَّقِي الشِّرْكَ وَالْعِنَادَ وَالتَّعَصُّبَ، وَيَنْظُرُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ عِنَادٍ، وَلَمَّا زَادَ هَاهُنَا (رَحْمَةً) قَالَ: (لِلْمُحْسِنِينَ) أَيِ الْمُتَّقِينَ الشِّرْكَ وَالْعِنَادَ الْآتِينَ بِكَلِمَةِ الْإِحْسَانِ فَالْمُحْسِنُ هُوَ الْآتِي بِالْإِيمَانِ وَالْمُتَّقِي هُوَ التَّارِكُ لِلْكُفْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النَّحْلِ: 128] وَمِنْ جَانِبِ الْكُفْرِ كَانَ مُتَّقِيًا وَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَتَى بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ كَانَ مُحْسِنًا وَلَهُ الزِّيَادَةُ لِقوله تَعَالَى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ) [يُونُسَ: 26] وَلِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ رَحْمَةٌ قَالَ: (لِلْمُحْسِنِينَ) لِأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.