قوله - جلَّ جلالُه -: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ... (31) .
(مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) نصبٌ على الحال من الناس، التقدير: فطرة الله التي فطر الناس عليها منيبين إليه، والكل يجده وإياه يريد وإليه ينيب، وإنما كان البعد من أجل ضلال السبيل.
(فصل)
الذي فرقوه من الدين وغيروه وبدلوه ليس بفطرة الله لهم التي فطرهم عليها،
بل ذلك هو كما أخبر الله عنه بطريق الحق المفطور عليه الخليقة لا تبديل له، وهذا
الحق الموجود في جميع الموجودات هو أن كل شيء إليه صامد، وله قانت عابد،
حتى الأمم العاتية والقرون الطاغية في أول جبلتها، حال سيرتها وجهت هممها
نحوه ونوت قصده، فرمت بسهام هممها شطر سبيله، واعترضها اللعين المبلس دون
ذلك، فاختلفت مسالكها اختلاف سهام رماه الغرض منها الصادف والهادف،
والقاصر والعائر، والزاني والصائب، والمقرطس قليل.
يقول الله - جل قوله: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ)
وقال: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(13) . هذه حال مبعثهم ثم
هؤلاء كلما حل لهم الاضطرار وتكشطت عنهم ملابس العوافي رجعوا إليه بالتضرع
والجوار، فإذا كشف الضرَّ عنهم رجعوا إلى ما كتب عليهم من الكفر به والتكذيب.
يقول الله - جل من قائل: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا)
أي: فعلنا بهم ذلك من تنبيههم باضطرارهم؛ لنوقظهم من نومهم ونذكرهم في
غفلتهم، ثم أرجعناهم إلى ما هم به راضون وعليه عاملون(لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ
وَلِيَتَمَتَّعُوا)ولله الحكمة الناهية والحجة البالغة، وهو العزيز الحكيم.
وقد دلَّ على ذلك حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه عن ربه - عز جلاله:"إني"
خلقت عبادي كلهم حنفاء فأتتهم الشَّيَاطِين فاجتالتهم عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا
بي ما لم أنزل به سلطانًا"اجتالتهم: من الجولان، اجتالت الشَّيَاطِين أنفسهم ثم"